ندوة حول واقع الإسلام في دول أوروبا الغربية من تأطير المركز العالمي للدراسات العربية والبحوث التاريخية والفلسفية بباريس والمقهى الأدبي الأوروعربي والرابطة الأوروعربية للثقافة والفن – حليمة تلي

0
762

ما يزال المركز العالمي للدراسات العربية والبحوث التاريخية والفلسفية بباريس الذي يرأسه الدكتور يحيى الشيخ يفاجئنا كعادته بلقاءاته المتعددة والمتميزة التي ليس لها نظير، إما بمفرده أو مع شركائه الأوروبيين كما حصل خلال هذه الندوة التي أطرها بمعية المقهى الأدبي الأوروعربي ببروكسل، وكذلك الرابطة الأوروعربية للثقافة والفن التي أعلن عنها بهذه المناسبة وهي تضم كل من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وهولاندا، ثم إيطاليا التي التحقت أخيرا.

كم تساءلت كغيري من المهتمين بالفكر العربي عن هذه الرغبة والكفاح الكبيرين من أجل الرفع من مستوى الثقافة العربية وتلقيحها بروح جديدة حتى يُكتب لها النجاح والاستمرارية.

العجيب في كل هذه التجمعات أنها من تنظيم شخصي ودون أي دعم مادي أو معنوي من أي جهة من الجهات، الشيء الذي يضمن لها استقلالية كبيرة في اختيار المواضيع والضيوف، غير انها ذات تكلفة لا ينبغي الاستهانة بها.

بيت الدكتور يحيى الشيخ تزينه مكتبة جمعت أزيد من 78 ألف كتاب ومخطوط اقتناها من مختلف البلدان العربية والغربية، مفتوحة لطلاب العلم والباحثين من كل أنحاء العالم. بيته أيضا منصة لنقاش المواضيع الحديثة المرتبطة بالوطن.

لقد جعل الدكتور يحيى الشيخ من مركزه جسر تواصل بين المغرب والمهجر لكشف معاناة المثقف المغربي في مواجهة حالة احتضار الدين واللغة العربية في الدول الأوربية، بمجهود فردي دون دعم من الجهات المعنية والقوية كوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وغيرها والتي قد تجهل وجود مثل هذه الأعمال الثقافية، الدينية..

فهو ينقل لنا بكل حكمة وذكاء الملفات المغربية التي تستحق دراسة دقيقة ومناقشة بناءة دون تأشيرة أو جواز سفر، لا لشيء إلا للمساهمة ولو بلمسة بسيطة في معالجة بعض الأمراض القاتلة للفكر العربي.

ومن أبرز اللقاءات التي نظمها المركز شكلا ومضمونا، اللقاء الذي طرح فيه إشكالية مناجم الفحم الحجري بجرادة ثم اللقاء الثقافي للفنانين التشكيليين وغيره.

وها هو اليوم يساهم في إشكالية طرح واقع الإسلام بأوروبا الغربية واللغة العربية.

موضوع شائك لُخص لنا في أربعة تجارب صادقة لمفكرين مغاربة تجمعهم الغيرة على الدين المعتدل المتسامح والفكر العربي والمغربي.

والنماذج الحاضرة اليوم في مقر الدكتور يحيى الشيخ بباريس أكبر دليل على ذلك

بحيث تناولت الموضوع بإلمام ووضوح:

فالأستاذ الفاضل يوسف الهواري ممثل الرابطة الأوروعربية للثقافة والفن بهولاندا أطلعنا على بداية تدريس اللغة العربية في هولندا جنبا إلى جنب مع اللغة الهولندية، 

مما استدعى تكوين أطر لهذا الغرض، لكن المشروع لم يُكتب له النجاح والاستمرارية، وأصبح عدد العاطلين من أساتذة اللغة العربية يفوق عدد الطلبة. كما تحدث عن ارتباط اللغة الكبير بالدين، متى ارتقت تعلمنا الدين الصحيح على أصوله ومتى ضاعت تلاها الدين.

أما الشاعر المقتدر أحمد حضراوي رئيس المقهى الأدبي الأوروعربي ببروكسل ورئيس الرابطة الأوروعربية للثقافة والفن فلقد نقل إلينا التجربة البلجيكية التي لا تسر القلوب بدورها، مركزا بالخصوص على غياب المساجد ذات التوعية الدينية والتربية الروحية السوية. فنحن في حاجة لإسلام يطهر القلوب من التلوث، ويسمو بالفرد الى أعلى المراتب الروحية. نشغف لدين ينبني على إيمان وإسلام وإحسان ثم ميلاد علاقة حب تربطنا بخالقنا وليس علاقة خوف تضمرنا. فكلما فهمنا ديننا احترمنا عبادات غيرنا وزادت طاعتنا لخالقنا وترقبنا لقاءه حبا فيه لأنه العفو الغفور وليس الجلاد المعذب.

حضور التجربة الألمانية أيضا في شخص الشاعر المغربي محمد كنوف ممثل الرابطة الأوروعربية للثقافة والفن بألمانيا وصاحب اللغة العربية المتينة والنظم العذب، والذي أعطى للقاء نكهة خاصة وزاد المناقشة غنى وثراء.

أما التجربة الفرنسية فلقد رصدها الدكتور يحيى الشيخ تاريخيا منذ البدايات الأولى للهجرة نحو أوروبا في الستينات والتسهيلات المحيطة بها لحاجتها لنا. ثم عقبها ظهور قانون لم الشمل الذي سيكون سببا كبيرا في توافد المغاربة وغيرهم إلى فرنسا وبالتالي كثرة المهاجرين المسلمين. فبعدما كنا نُنادى بالمغاربة maghrébins أصبحنا نُنادى بالمسلمين musulmans .

ديننا هو جنسيتنا في بلد يعزف صبحا ومساء سنفونية اللائكية وحديثه كل اليوم عن الإسلام والمسلمين ولباسهم..

وعليه أمسى ديننا نقمة عليهم وشبحا يفسد راحتهم لأنهم لا يدركون فيه شيئا غير التفجير والإرهاب وتعدد الزوجات وعدم المساواة في الإرث حسب تحليلهم.

ومن ثم فكل حملة انتخابية يراد لها النجاح ينبغي أن تُظهر عداءها الشديد للإسلام والمسلمين. فجعلوا من الدين ورقتهم الرابحة للفوز.

لكنهم أهملوا حقيقة مهمة تكمن في كون الإسلام ثاني ديانة في فرنسا، وأكثر متبعيه متجنسين بالجنسية الفرنسية ومثقفين لديهم مناصب سياسية عالية رغم قلتها، ولهم الحق في الدفاع عن هويتهم والإدلاء برأيهم بكل شفافية وديموقراطية.

وحتى لا أطيل عليكم لأن الموضوع متشعب وغني ويستحق أن يُقال فيه الكثير، أريد فقط الإشارة إلى نقطة أساسية تتلخص فيما يلي:

لو لم تكن لغتنا وديننا مهمين جدا لما حاربنا غيرنا بكل هذه الشراسة. فهم يعلمون جيدا أن هذا الدين يقين، ويعلمون أكثر أن لغتنا سرمدية أبدية ومهدا لكل الحضارات العريقة، والتاريخ يشهد لنا بذلك. ويكفيها فخرا أنها لم تتغير كغيرها من اللغات بين الجديد والقديم كالفرنسية والإنجليزية، أو تنقرض كاللغة اللاتينية.

فعلينا فقط أن نعي قيمة الكنز الذي نمتلكه لحمايته من التلف أو التعفن. وما تقومون به من توعية لإنقاذ الإسلام واللغة العربية من الهلاك معتمدين فقط على مجهوداتكم الشخصية فشيء عظيم، وسيصل صوتكم لمن أراد أن يسمع كلمة حق تجلجل من بلدان المهجر، أما الصم البكم فاتركوهم في ظلالهم يعمهون، ربما يأتي يوم عليهم ويستيقظون، لأن دوام الحال من المحال، ولابد للسحاب أن ينجلي ولا بد للشمس أن تشرق.

لكم مني كل التقدير أيها الأساتذة الأفاضل:

السيد يوسف الهواري

السيد أحمد حضراوي

السيد  محمد كنوف

السيد يحيى الشيخ.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here