Home Slider site محاضرة الدكتور والمفكر محمد كنوف: معاناة المرأة المهاجرة – نجاة تقني

المؤتمر الثقافي الأوروعربي بأمستردام – هولندا تحت عنوان: “هوية المرأة المهاجرة بين ثقافتين”.
كعادته عندما يتحدث مع الجمهور الثقافي، يعم الصمت لينصت الكل إلى حديثه. إبداع.. معلومات قيمة.. تناسق بين المقدمة والخاتمة.. وقار مفكر منسوج بعبارات العلم الحديث الموثق بمعلومات تاريخية وإسلامية. إنه الدكتور والمفكر محمد كنوف ممثل المجلس الأوروعربي للفكر الفلسفي والروحي بألمانيا.
حاولت نقل المحاضرة حرفيا لكي يطلع عليها من يهتم بوضعية المرأة المهاجرة بين ثقاقتين، أتمنى لكم قراءة ممتعة:
“لن أتحدث أكاديميا عن المفاهيم الفلسفية والمفاهيم الأنتروبولوجية حول مفهوم الاستيلاء بمعنى أن المرأة ليس فقط العربية ولكن المرأة كطبيعة، كذات تعاني شرقا أو غربا من الجانب الذكوري، أو العقلية الذكورية التي يتمتع بها الرجل أينما كان، فحاول أن يبخسها حقها ليس على مستوى الفكر الاجتماعي فقط، ولكن حينما ندرس في كتب الفقه الإسلامي نلاحظ أن الإمام الشافعي فسر مسألة الحيض عند المرأة أنه عقاب لها لأنها قد أدمت الشجرة في الجنة. (المرجع: كتاب الثابت والمتحول لأحمد علي سعيد “أدونيس” في تفسير الأصول – الجزء الأول).
هذا التفسير لا يقنعني كإنسان مسلم، فقد حاولوا أن يرتكبوا على المرأة بعض الضغوط تنقيصا من شخصيتها، لكن في الحقيقة حينما نعود إلى مرحلة التاريخ أو تكوين الفكر الاجتماعي، نلاحظ أن بعد مرحلة الأسطورة جاءت مرحلة الزراعة في المجتمعات التي تسمى بالمرحلة الأموزية. من الذي اكتشف الزراعة؟ هي الأم.. المرأة هي التي اكتشفت الزراعة.
حاولت بهذه المقدمة أن أحيل مفهوم الاستيلاء الذي يتطلب شرقا وغربا. عندما نقول هذا الإنسان يعيش حالة استيلاء بمعنى أنه لم يأخذ الثقافة العربية أو الشرقية، إذ لم يثبت عليها، بمعنى أصبح بين وبين. لذلك مفهوم الاستيلاء قد ظهر عند جورج أكروسو، وظهر عند فيوربوغ، كذلك ظهر في الفلسفة الألمانية، وظهر كذلك عند المشارقة والعرب فحاولوا أن يعطوه مفهوما، لأن مفهوم الاستيلاء مفهوم واسع جدا وغير محدد. بمعنى أن المرأة العربية أو الشرقية التي تعيش في عالم آخر أو في مجتمع آخر بأروبا مثلا أو أمريكا أو دول أخرى، فإنها تعيش حالة استيلاء، وهذا ما يعبر عنه في الثقافة الأوروبية أو في الفلسفة الأوروبية الآن، وهي مسألة الإدماج والاندماج، فحاول السياسيون أن يعطوا لمفهوم الاستيلاء معنى آخر، وحاولوا أن يقولوا إن المرأة المهاجرة عليها أن تندمج لكنهم بالعكس نسوا الرجل فلم يطالبوه بالاندماج لما جاء في الخمسينات كهجرات ذكورية فردية، لأنهم كانوا في حاجة إليه كعضلات، كقوة إنتاجية لإعادة بناء أروبا. لكن المرأة في أواخر القرن الماضي هاجرت العادية أولا في إطار التجمع العائلي، فأصبح المجتمع يتكون من الرجل الذي هاجر أولا، ثم من المرأة، ثم من الأبناء والبنات. فلم تكن مسألة الإدماج والاندماج التي طالبوا بها أولا، لكن لما توالت الهجرات، وأصبحت بناتنا وأبناؤنا المزدادون هنا بأوروبا دكاترة ولهم دبلومات تكنولوجية واجتماعية، أصبح الوعي أعلى. الآن أصبحت المرأة عنصرا كاملا في المجتمع. الآن يجب على المرأة أن تنال حريتها، أن تنال حقوقها القانونية. رغم أنني أنتقد أوروبا فيما يخص تصويت المرأة في الانتخابات، سواء المرأة المهاجرة أو المرأة الأوروبية، ما تزال نسبة حقوقها منخفضة. كذلك تحتل المرأة أقل المراتب والمناصب أيضا. لا نحاول أن نرى بأن المرأة قد نالت كل حقوقها، لا لم تنلها.. ما زالت بعيدة جدا. وضعية المرأة المهاجرة تستحق الدراسة وتستحق العناية العلمية. لماذا؟ لأن المرأة أصبجت كقيمة وجودية وليست قيمة دونية، كما تعبر عنها بالحمولة الثقافية التي حملناها معنا.
الحمولة الثقافية التي حملناها معنا: المرأة لابد أن تبقى في البيت، ويجب أن تلد، وهي حقب للحراسة، وللولادة، وليست قيمة وجودية إلى جانب الرجل. هذا هو الوعي الذي يجب أن نتعامل فيه مع المرأة لأن البلد المصدر للهجرة هو الذي صدر هذا الفكر المتعنف. لا أتحدث عن المغاربة فقط، ولكن عن العالم الثالث كله الذي صدر المهاجرات بفكر متعنف.
النظرة المقابلة لما لاحظنا المهاجرات المثقفات الطالبات إلى إسبانيا ولم تجدن العمل، اشتغلن في حقول الطماطم والفلاحة، فاستغلن جنسيا وفي حقوقهن. هذا الجانب الأوروبي. بمعنى أن الحقوق لسنا فقط يعني نحن الشرقيون من أمسك عن إعطاء الحق واحترام المرأة، ولكن حتى الأوروبيين استغلوهم في الدعارة، استغلوهم في الأعمال الشاقة، استغلوهم بشكل خطير. فلذلك المرأة لابد ألا يستمر مفهوم المجتمعات من الفكر المحلي إلى هذا المجتمع المتطور أو المتقدم ولكن يجب أن تتبلور فكرة قيمة المرأة الوجودية، كقيمة إنتاجية ونوعية. فالذي يقول أن هذه المرأة قد نالت كل حقوقها وقد نالت مكانتها، أظن أنه غائب عن الحقيقة. لذلك المرأة هنا لم تعتبر هنا كإنسان، كوجود تام الأهلية وتام كقيمة تنموية. لماذا؟ لأن المقاربة الاقتصادية هي التي شغلت عقلية السلطوية عند المجتمع الذكوري سواء كان شرقيا أو غربيا. الدافع الإقتصادي. الرجل كان مسؤولا عن زوجته في مجتمع عادي، أصبحت الآن في أروبا المرأة تعيل نفسها بنفسها، بعملها، بشغلها، وبإنتاجها. هذه القفزة النوعية التي اعتبر السوسيولوجيون أن حجم الضغط الاقتصادي هو الذي دفع بالمرأة إلى الاشتغال. ولكن أنا أقول لا.. المرأة قفزت قفزة نوعية للشغل فأصبحت تعيل نفسها، لهذا نقصت سلطوية الرجل، ولم يعد يقول لها سأمنع عنك المصروف الشهري إلى آخره، المرأة أصبحت مستقلة.
أصبح مفهوم الكينونة النسائية بشكل متطور جدا لكثرة مثقفي الجيل الثالث والجيل الرابع وأبناؤنا الذين ولدوا هنا وبناتنا اللواتي ولدن هنا. شيء جميل جدا أنهم ساعدوا المرأة الأم، الجدة كي تتطور كذلك إلى درجة أنها تصبح ذات قيمة إنسانية. لما بدأت المرأة تطالب أو تحاول أن تترجم حقوقها، قوبلت في المرحلة الأولى بالعنف من طرف الرجل، فوقع الطلاق، وتشرد االأطفال، لأن الرجل السلطوي في تلك المرحلة لم يتقبل فكرة أن تناقشه المرأة وتفرض حقوقها وتطالبه بها. فقوبلت بالعنف الاجتماعي، فوقع الطلاق وتمزقت العائلات. لماذا؟ لأن الرجل رفض أن تناقشه المرأة. الكثير من الناس يظنون أننا متخلفون وقادمون من الجبال، لكن هناك عدم وجود ثقافة التواصل. أتعرفون بأي قوة تحكم الدول العظمى الدول الأخرى؟ بالتواصل. فنحن كرجال لم نكن نعرف سحرية هذا التواصل.. المرأة تقول رأيها وأنا أقول رأيي ونتناقش في المادة والأطفال والهوية.. إلخ..
من بين الأسباب الأخرى، أن المرأة كانت تتحمل أكثر من الرجل.. لم يكن هناك احترام.. أتريدون أن يتفشى الحب بين العائلات؟ الاحترام.. أعظم عملية سحرية ومضمونة هو حينما يكون الاحترام متبادلا بين الرجل والمرأة، فينضج الحب. وحينما ينضج الحب تصبح الأمور على ما يرام. كثير من الرجال يقولون زوجتي لم تعد تحبني.. أبرز لها مكانتها.. وكثير من النساء يقلن أن الرجل لايهتم بهن..
التثاقف التشريعي والتثاقف الاجتماعي، بمعنى أنهم أصبحوا يحطون الجنسية والهوية للمرأة المتواجدة في مجتمع الهجرة بعين أخرى. في هذا الإطار التثاقفي، هولندا ناجحة بنسبة عالية جدا على الدول الأروبية الأخرى، بنسبة مستويات الوعي عند المرأة بهولندا. مستويات الحقوق. في المجتمع الهولندي أصبح الشخص عندما يتناقش لايهتم هل هو امرأة أم رجل. بمعنى أن الإنسان تجاوز الثنائية الضدية. الفكرة التي أود أن أوضحها وسأختم بها إن شاء الله.. الكثير من الناس وبالخصوص الأوروبيون الغربيون يستنكرون بفلسفتهم و بإديولوجيتهم أن الإسلام هو السبب المباشر في جعل المرأة ذات قيمة منحطة.. أقول أن الإسلام بريئ جدا.. الإسلام دين حياء.. دين سلام.. دين محبة.. دين عدل.. إذا كان الله سبحانه وتعالى هو العدل العادل، فكيف لا يكون هذا الدين رافدا من روافد عدل الله. فالإسلام لم يظلم المرأة بل شرفها. الإسلام لا يتجلى في أمور بسيطة في القشور.. لا.. الإسلام جوهر.. فالكثيرون الذين يقولون: إن الإسلام هو الذي جعل من المرأة ذات قيمة قليلة ومنحطة ولم يعطها حقوقها.. بالعكس.. أعطاها أكثر من حقها.. ليسألني سائل وأنا لست متفقها بشكل كثير.. لم يعدل لها في الإرث. “وللذكر مثل حظ الأنثيين” صحيح هذا يسمى بالإطلاق العام في النص. لكن عمليا تأخذ من أبيها ومن زوجها ومن أخيها. بمعنى صار عندها أكثر. رأيتم عدل الإسلام، اعملوها عملية حسابية. الإسلام عزز المرأة، كرم المرأة جعلها قيمة عالية جدا.. علينا أن نعاملها بهذه المعاملة. درسنا الماركسية والبوذية، ولم نجد أجمل وأروع من الإسلام. الإسلام متنوع جدا. الإسلام دين إخلاص. علاقة العبد بربه هو الإخلاص. كن مخلصا لربك، ستكون مخلصا لرب عملك، لزوجتك وأبنائك.. إلخ.. إذا كان الإخلاص وهي قمة العلاقة التي تربطنا بيننا وبين الله سبحانه وتعالى. لهذا لابد أن ندافع على الإسلام.. الإسلام له رب يحميه.. لكن لابد أن ندافع عن الإسلام لنرد الجواب لمن يتهم أن الإسلام هو من جعل المرأة أقل قيمة. بل بالعكس الإسلام زكى المرأة.. حتى مفهوم الأنوثة في الإسلام أعمق مما نتصوره نحن في عقولنا الصغيرة. حتى في السيرة النبوية كيف عامل الرسول صلى الله عليه وسلم بالوفاء لخديجة رضي الله عنها، بالإحترام لعائشة ولقمة الحب، والحب رزق. تعرفون الحديث “حب عائشة إنما حب رزقته”، إذاً علينا أن نكون في مستوى الدفاع عن وضعية المرأة”.