ليلة العرس ــ محمد علي عاشور

0
877

 

  بعد منتصف الليل كالعادة سمع الناس صراخها، قالوا لبعضهم أنه يضربها.
كان يضربها، ويوسعها ضرباً، وكانت تصرخ صراخاً رهيباً، كأنه صراخ لآلاف النساء يخرج من فم واحد، وبرغم ذلك كانت تحبه، وتزداد في حبه، هذا الحب اللا معقول الذى يحدث بينها وبينه.
يجلس في اليوم الثاني في المقهى، يحكي عما فعله بها عندما خرجت له من البحر عارية، يتناثر الماء فوق جسدها، وأنها في كل مرة يراها تكون أجمل من سابقتها، في كل مرة تحاول أن تأخذه معها إلى الماء، فيضربها ويوسعها ضرباً، وهي تصرخ فيه وتخبره أنه لن يتزوج غيرها، وإن فعل سيكون آخر يوم في عمره.
يتعجب الناس عندما يسمعون ذلك، فقد رآها بعضهم، هي ليست جميلة، فوجهها مثل وجه القرد، وشعرها لونه أحمر طويل يتدلى إلى الأرض، تمشطه دائماً، و قدماها قدما نعامة، أما جسدها فجسد امرأة عارية، فكيف يراها جميلة ؟
يقول لهم شيخ قد اتكأ على عصاه : ألم تعلموا أن الجن يتشكل في أي صورة …. إنها تظهر له كأجمل امرأة ليحبها.
يرى الفتاة التي يتعلق بها قلبه ويخطبها، وتنتظر القرية كلها ما سيحدث عندما يمر من عندها، فينتظرون حتى منتصف الليل، ثم يسمعون الصراخ الشديد، فظهرت له عارية جميلة، وحاولت جذبه إلى الماء بالقوة، لكنه أخذ يضربها وهي تصرخ وتحذره بأنه لن يتزوج غيرها، لكنه تركها وهي تصرخ وتهدده.
ليلة فرحه تجمع الناس وعلت الزينة وانتشرت الأنوار، جلس بجوار العروس، وبدأ الناس يصفقون مع المزمار، لكن صراخها أخذ يسمع من بعيد ثم بدأ يقترب ويقترب ويصم الآذان، فأخذت الأشجار تهتز وتتحطم من الاهتزاز، وبدأ الناس يهرعون ثم يولون مدبرين، فيختطف عروسه ويهرول بها إلى داره، لكنها ظلت تصرخ وتولول طوال الليل ولم ينم أحد من أهل القرية. بعد أن انتهت إجازة عرسه، مر من مكانها، رآها تخرج من الماء كأجمل ما تكون، وقد ارتدت فستان الزفاف وقالت له في صوت كله صرامة : هذه ليلة عرسنا.
أراد أن يدفعها، لكنه وجدها ثابتة، فرفع يده وهوى على وجهها، فلم تصرخ، وجدها واقفة ولم تتزحزح، وأراد معاودة ضربها لكنها أمسكت بيديه واستماتت عليهما، ثم أخذت تقهقه وهو يحاول التملص منها، لكنه وجد ملامحها تتغير، يتحول وجهها مثل وجه القرود، وشعرها إلى اللون الأحمر، وقدماها إلى قدم نعامة وقد احمرت عيناها واتسعت كالطبق، وقالت له الليلة هي ليلة عرسنا.
سمع الناس صراخه، ولم يتحرك أحدٌ من مكانه.
في الصباح خرجت العروس تصرخ وتحمل على رأسها التراب، والقرية في إثرها، حتى وصلوا إلى مكانها.
وجدوه طافياً على وجه الماء، عارياً، وقد امتلأ فمه بالطين، وتعلقت أصابعه بكثير من القش.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here