
يلخص العنوان “أحداث”القصيدة وحكايتها التي انتهت قبل أن تبدأ.. ويوحي بكونه مجرد ردة فعل على سباب أو أمنية صدرت من الطرف الآخر.
فإذا كانت الحبيبة المتخلى عنها قد تركت للشاعر في جحيم بشكل أو بآخر، فإنه بدوره يرد عليها ليقول لها بأن الجحيم يناسبها هي أكثر.. وهو لا يذكر صراحة كل ما قامت به أو تلفظت به متعمدا عدم الاكتراث بمشاعرها، ومركزا على هجائه اللاذع لها ولصفاتها..
الدربُ سار إلى خطاي، مشى فضلّْ
متقفيا فتقا قديما كالأزل
تاق الجهاتِ جميعها لكنه
لشتات نبض القلب وافاه الأجلْ
هكذا تُستهل القصيدة ليظهر لنا الشاعر من خلال هذه الأبيات أنه غير محظوظ وخاصة فيما يخص الجانب العاطفي من حياته.. والذي يبدو أن معاناته منه قديمة قدم الأزل. فهي إذاً معاناة طويلة وأبدية.
كانت هناك كطيف شعر عابث
في سِفر صلصال تَشكّل في زُحلْ
سقطت بشارته فلا تدلي يدي
حبلا لها إلا ومزقه وبَلّْ
تظهر الحبيبة القديمة كمجرد طيف أو أبيات شعرية غير جدية وغير متناسقة سقطت من كوكب زحل، كما تسقط جاذبية الحلم عندما تتحول إلى حقيقة ملموسة. هذه الحقيقة التي لا تكتمل ولا تسمو إلى عالم الشاعر المثالي لأن حبالها ممزقة وحقيقتها زائفة..
طبعي أنا نصفُ الكلام وطبعها
صمتُ الإشارة فوق أعتاب الخجلْ
من وحشة الكلمات أُخرج لثغتي
لما لغاتُ التيه تدرك من وصلْ
يصف الشاعر طبعه وطبع الحبيبة -الطيف أثناء حوارهما ولقاءاتهما المتخيلة المفعمة بلغة الإشارة والإيحاء الذي يعبر عن الوصول الحقيقي إلى أعلى درجات الحب الخالي من أي مصلحة مادية، ذلك الحب الزاهد المتصوف والمدرك لقيمة المشاعر الإنسانية الروحانية: “لما لغات التيه تدرك من وصل”.
من هذه النقط العتيقة كوَّنَتْ
جُمل المنافي في حكايات الغزلْ
لملمتُ أطلال الوداع ودمعه
وسلكتُ نحوي قد تعجّلتُ العجلْ
الجحيم يليق بك – أحمد حضراوي
لغات التيه والذوبان الشامل في الحب هي من تصنع حكايات الغزل وقصص العشق التي تظل مستحيلة على أرض الواقع. لهذا السبب يقرر الشاعر الرحيل داخل أوجاعه وآلامه، متعجلا الهروب من شبح ومن طيف لا وجود له إلا في خياله.
كَفّي على وشم الجراح وغفلتي
تابوتُ صبري في أنيني قد رحلْ
صفةُ السبيل تناثرت فصفت بها
أسطورة الجدات حين الليل حلْ!
يعترف الشاعر هنا بغفلته وبسذاجته التي جعلته يؤمن بوجود الحب الحقيقي الذي ما هو في الحقيقة إلا أسطورة تحكيها الجدات حين يجن الليل، لم يعد الشاعر قادرا على تحمل جراحاته العميقة الصامدة صمود الوشم على الجلد..
كان العناد رحاك تعصر في دمي
لحظاته المثلى وتنظر ما نزلْ
وتُقلِّب الرمل الشريد به إذا
وافتْهُ محبرة الزمان، يدُ الدجلْ
تُغري به سبل الرضوخ وطلعها
وجه السراب بوهمِ ظامٍ قد أطلّْ
طيف الحبيبة المثالية عنيد يلازم الشاعر ويعذبه، وخصوصا كلما فكر في الكتابة.. هذا الطيف مجرد وهم وخيال ودجل قد يخدع الشاعر أحيانا، لكنه سرعان ما يكتشف بأنه مجرد سراب غير قادر على سد ظمأ الشاعر الولهان.
هذا الجحيم بلا سلام فادخلي
أبوابه سبعا كأول من دخلْ
أنا لم أكن يوما هناك ولا هنا
بل بَين بَين فليس تغريني القُبلْ
وهكذا يقرر الشاعر التائه أن يُدخل طيفه إلى الجحيم من أبوابه السبع كما سبق وأن أدخل إليه جميع الأطياف التي سبقته.. فالشاعر يوجد بين الحقيقة والخيال في عالم بعيد عن المادة، بعيد عن أي استهلاك للحب وأي قتل للمشاعر..
ولتعذريني قد أسأتُ إليك ما
قد طِقت حبا فاق قلبكِ مفتعلْ
نشعر هنا وكأنما يخاطب الشاعر امرأة حقيقية غير قادرة على استيعاب مفهوم الحب عند شاعر يعيشه بخياله أكثر مما يعيشه على أرض الواقع..
أنا من صنعتك وفق مقياسي أنا
فإذا مللت وكل عاداتي المللْ
لقمامة النسيان أنت كمن بها
ممن أبين سوى نهايات الفشلْ
تشرح لنا هذه الأبيات بكل وضوح أن الحبيبة مجرد طيف خلقه الشاعر وصنعه وفق مقاييسه ومعاييره الخاصة ورمى به لقمامة النسيان كما هو الحال مع كثيرات سبقنها في تجربة حبه وصلن جميعهن إلى نفس النتيجة، ألا وهي نهايات الفشل في نهايات قصائده..
فأنا بشرنقتي كأول مرة
بالحب مكتظٌّ، أرُدُّ إذا سألْ.
انتهى وله الشاعر بالحبيبة -الطيف بانتهاء القصيدة لكن الحب ما زال موجودا يراود قلب الشاعر أحمد حضراوي كما لو حشد له النساء في طابور طويل تقفن أمامه واحدة بعد الأخرى تجتزن امتحان رضاه لكنه يردهن ويعرض عنهن جميعهن، فهو وحده الكفيل بأن يقرر من تلهمه كتابة قصائد حب جديدة..