
عادة ما تنتظر الأم هديتها من أبنائها
لكنني هذه المرة سأعكس الآية وأقدم أنا “الأم” هدية مني إلى من لم يحمله رحمي. صلتي به أمومة أجل، لكنها ليست كالأمومة البيولوجية، بل هي أمومة روح حَمْلُها بين الضلوع، رحمها الفؤاد، يزداد الحبل السري متانة عند الميلاد، يبقى ممتدا ما بقيت الحياة تسري بين القلبين..
لن أنسى يوما تلك الفرحة التي كانت تُضيء وجهه لتجعله كما البدر وقت اكتماله وهو يستقبلني على باب منزله ويدعوني للدخول، ثم يطلب من قريبي أن يلتقط لنا صورة لينشرها على متصفحه على الفايسبوك مباشرة. لحظتها كنّا نعيش حلمنا الذي بدأ يتحقق على أرض الواقع بعد أن كنّا نعيشه معا في الفضاء الأزرق كما -يسمونه- حقيقة، لكن ينقصها التواجد معا في حيّز واقعيّ يجمعنا معا في أبْعاده كافة.
شاعري المفضّل يتكلم، يقف، يجلس، يتحرك أمامي ملأ السمع والبصر. نعم الفضاء الأزرق قرّبنا من بعضنا البعض، جعلنا نتعامل فيما بيننا وكأنما نحن في الواقع، ولكن مهما اقتربنا لن نرتقي عندها عن كوننا صور لحقيقة مادية في مرايا الفضاء، مهما كانت الصورة مطابقة للحقيقة، ويشهد الله أنني وجدت الحقيقة أجمل.
الحلم جميل، والخيال واسع ممتد أوسع بكثير من خبرات حياتنا، لكن تحقيق ذلك الحلم الذي راودنا كان أجمل بكثير، وجماله لم يكن مستمدا من وقائع تحققه، ولكن ممّا فاضت به النفس على ملامح الوجه، فرحا وسعادة وتألقا، فيض المشاعر يجعل الدنيا كلها تزهر من حولنا، حتى أبسط الأشياء تصبح كعرائس المولد. في تلك اللحظات لم تكن الدنيا هي الدنيا التي عرفتها بل جنّة! كأنما تنزلت جنّة الخلد من فوق سابع سماء لتضمّنا في سعتها. عندها لم أكن أخشى الفراق وقد امتلأتُ بحقيقة الحياة الحقة، أن لحظة من عمر هي الحياة، وكم من حياة حقة نعيشها في هذه الدنيا! ليست المدة ولا الزمن ولا استمرار الوقت، بل زخم اللحظة المشبعِة للوعي أننا ها هنا معا.
كنت مأخوذة بما يحدث، أكاد لا أصدق أنني في منزله، وأنني أشاركه حقيقة وجوده الآن وهنا خاصة أن ما يشعر به يصلني طازجا كما هو في الآن ذاته دون واسطة من جهاز أو أداة، لا فضاء يفصلنا، ها هو حيّزنا واحد، لا حواجز بيننا. إنه حقا اليقين.
الحيّز الواحد في الآن ذاته الذي يجمعنا معا، والوجدان يستشعر هذا التواجد والعقل يعيه والحواس تشهد له، وما يعتمل في الوجدانين شهادة أخرى تزيد الأولى بهاء وزخما، تجعلنا نجدّف معا في عالم يخصنا.
ثلاثة أسابيع لم تنقص من هذا الشعور زخمه بل زادته وأضافت إليه ما زاده رونقا.
ظننت أن اللقاء قد ينهي التخيل البديع إذ يحضر الواقع بصلابته فيمحو جماليات الصور التي رسمناها من خلف أستار الغيب، لكنني اكتشفت أن بإمكاننا الإبحار في النفوس لنكتشف كنوزها الحقيقية، ندقق فتصبح للحظة الواحدة آلاف الصور كلما اقتربنا أكثر وأكثر، فالحدائق تُبدي بديع ما بها كلما تجوّلنا فيها. وبحور الوجدان تكشف عن كنوزها كلما توغلنا في أعماقها.
شِعْر، قصائد، روايات، نصوص، جهاد واجتهاد وصدق وطيب نفس، وغنى وجدان وثراء مشاعر كنت قد استنتجت منها جميعا شخصية أديب فنان مرهف الإحساس يحمل معاناته كما معاناة غيره، لكن رهافة حسه وصدقه كثيرا ما أوقعانه في مشاكل وإشكاليات لاعتقاده بأن الآخرين كما هو. وإذ يفاجأ بالعكس يُصدم، وإذ ذاك يُخرج ردة فعله نارا ينفثها في وجه أولئك ثورة للحق الذي ارتأى أنهم يهدمونه. ورغم تلك النيران، ورغم شدة براكين غضبه التي تقذف الحمم، لم أجد أطيب منه نفسا في لحظات هدوئه ولا أكثر منه وداعة.
إنسان مكتمل الإنسانية في كثير من جوانبها، رجل بكل ما تحمل هذه الصفات من مكارم الأخلاق، وطفل إذ يود أن يستأثر بمحبة من هم حوله واهتمامهم به، خاصة أحبهم إليه وأقربهم إلى نفسه، يتودد إليهم كما طفل يتودد لوالدته ليخلص له حجرها الوقت كله دون إخوته، طموح لم يجد لطموحه إلا بعض المنافذ فأخذ يحفر بالصخر مكانا له رغم كل المعيقات والعراقيل وخفافيش الظلام والمُحبطين الذين يودون تحطيم أحلامه وآماله، والوقوف في سبيل تحقيق أهدافه.