عودة – جميلة بالوالي

0
278

 

               بعد عشرين عاما ، عدت من جديد إلى صفوف الدراسة .. ولقد تصادف أنها أصبحت عن بعد .. حان موعد الامتحان ،..أوصلني سائق الطاكسي وأوصاني خيرا بالطلبة ظنا منه أنني أستاذة جامعية ..قال لي :” غير بالشوية عليهم سيري معاهم غير بالشوية” 

          ابتسمت و ودعته فليس لدي الوقت الكافي كي أشرح له أنني أعمل في مكان آخر وأنني أصبحت طالبة مرة أخرى لأنني أريد أن أقوي معارفي وأن أسد بعض الثغرات التي أجدها تلازمني في مساري الأدبي ..

          توجهت نحو كلية الآداب بكل ثقة واتزان وحب .. التحقت بالمدرج المخصص للامتحانات .. أتذكر جيدا ذلك المدرج الذي ولجته مرارا  عندما كنت لا زلت  في سنتي الجامعية الأولى في شعبة اللغة الفرنسية وآدابها وقد كنا أكثر من ألف طالب وطالبة  قبل أن ننتقل إلى الأقسام بعد ذلك في الموسم الدراسي الموالي، بعد أن رسب غالبية الطلبة في السنة الأولى واختار معظمهم تغيير الشعبة ..  لم يتبق آنذاك  إلا نصف العدد أو أقل . التفت حولي وتأملت الطلبة والطالبات الذين لم يتجاوز غالبيتهم سن العشرين . كان التوتر والقلق باديان على الجميع وكدت أسمع دقات قلوبهم وهي تخفق بسرعة في انتظار توزيع مواضيع الاختبارات ..كنت الوحيدة التي تشعر بالارتياح وربما ببعض النشوة والفرح ..الفرق كبير بين أن تجتاز امتحانا وأنت قلق على مستقبلك وخائف من الفشل لأن عدم التوفيق والنجاح يؤدي لا محالة إلى فقدان الأمل في الوظيفة وفي مدخول شهري قد يضمن العيش الكريم ..وبين أن تجتازه وأنت مطمئن على أحوالك ،مكتف بذاتك وبما تمتلك من استقرار مادي ونفسي واجتماعي ! كم يعاني هؤلاء الطلبة البؤساء من قلق الاختبار الذي هو في نظامنا التعليمي قلق الحياة أو الموت . يقضي هؤلاء المساكين طفولتهم و مراهقتهم وربيع عمرهم في مواجهة صدمات الامتحانات والخوف الدائم من الفشل لأن الدراسة في مجتمعنا وخصوصا لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل هي ذلك السلم الذي ينبغي صعوده مهما كان طويلا وشائكا ومكلفا لمن أراد تحقيق نوع من الاستقرار و الاكتفاء المادي .. تذكرت سائق الطاكسي . .  لا شك أنه أب لطالب أو أكثر ، إنه يدرك تماما كما الكثير من الآباء كل الضغوط التي تمارس على فلذات أكبادهم  ” بالشوية عليهم ” معه حق .. كثرة المقررات وتنافرها وعدم التركيز على ماهو مهم ومفيد تجعل  المادة الدراسية مجرد عبء ثقيل على كاهل المتعلم ، وبدل الإحساس بالمتعة وتذوق جمال العلوم والآداب وفلسفتها ،يشعر طالب العلم بالقهر والظلم والحيف في إطار نظام تعليمي لا يجعل من النجاح قاعدة بل بالعكس يبدو وكأنما الإقصاء والتهميش هو هدفه وسر وضعه بتلك الطريقة العشوائية التي لا تراعي الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية للمتعلمين ! 

       كانت تلك هي المرة الأولى التي أجتاز فيها امتحانا بدون خوف أو أدنى اضطراب .. كم هو جميل ذلك الإحساس بالثقة في النفس و الشعور بالارتياح والرضا وأنت مقبل على مرحلة مهمة من مسارك في الحياة .. هل كان لابد من أن أجتاز عشرات الاختبارات المقلقة والمرعبة في حياتي الدراسية والمهنية قبل أن أشعر أخيرا بهذه اللحظة الاستثنائية ؟ السؤال يحتاج فعلا إلى جواب وكم هي كثيرة ومتشعبة تلك الأسئلة المتعلقة بمنظومتنا التعليمية – التعلمية والتي ينبغي أن تشكل موضوع امتحان مستعجل  للمسؤولين القائمين عليها  .. فإلى متى سيظل تدبير الامتحانات بهذا الشكل وإلى متى سيظل بناة المستقبل  يعانون من قلق الاختبار؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here