يمدح حسان بن ثابت النبي صلى الله عليه وسلم مديح المؤمن والمحب الذي رسخ الإيمان والحب في قلبه، فيشير إلى أن الله كرم نبيه ورسوله، فها هو المؤذن يذكر شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، خمس مرات في اليوم والليلة معلنا بدخول وقت الصلوات الخمس، ويذكر كذلك أن الله أجلَّ نبيه وكرمه بأن شق له أي قطع له من حروف اسمه فقال :
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه == إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشق لــه من اسمه ليجله == فـذو العرش محمود وهذا محمد
ثم يذكر صفات النبي الأخرى فيقول :
نبي أتانا بعــد يأس وفترة مــن الرسل == والأوثانُ في الأرض تعبد
فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً == يلـوح كما لاح الصقيل المهند
والمقصود بأهل الفترة: هم كل من لم يبعث إليهم رسول، والمراد بها المدة التي بين عيسى ـ عليه السلام ـ ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بينهما نبي.
قال البغوي: على فترة من الرسل ـ أي انقطاع من الرسل، واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى ـ عليه السلام ـ ومحمد صلى الله عليه وسلم.
ثم يذكر مناقب النبي العظيمة وأنه بشير ونذير ومعلم، فيقول :
وأنذرنا ناراً وبشّــر جنةً == وعلمـــنا الإسلام فالله نحمد
ثم يتوجه إلى الله معترفاً بأنه وحده إله الخلق أي المعبود الذي لا يجوز صرف العبادة إلا له سبحانه وهو الخالق، فيشهد حسان أن الله وحده المستحق للعبادة، وهو بذلك يؤكد التوحيد في قلبه وسلوكه، وأن حبه للنبي لن يجعله يرفع قدره إلى درجة عبادته فيقول :
وأنت إله الخلق ربي وخالقي == بذلك ماعـمّرتُ في الناس أشهد
وقال ابن نباتة في مدح النبي ومحبته :
تَحَزَّمَ جِبْرِيلٌ لِخِدْمَةِ وَحْيِهِ == وَأَقْبَلَ عِيسَى بِالْبِشَارَةِ يَجْهَرُ
فَمَنْ ذَا يُضَاهِيهِ وَجِبْرِيلُ خَادِمٌ == لِمَقْدَمِهِ الْعَالِي وَعِيسَى مُبَشِّرُ
ومعنى تحزم للأمر : أي شمَّر له واستعد، فقد نزل المَلَك جبريل عليه السلام بالوحي من عند الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو يشير هنا إلى قول الله تبارك و تعالى :
﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾[ النحل: 102]
وروح القدس هو : جبريل عليه السلام وهو أشرف الملائكة وأقربهم إلى الله عز وجل، وهو صاحب الوحي إلى الأنبياء.
وقوله : وأقبل عيسى بالبشارة يجهر : أي أن عيسى عليه السلام بشر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو يشير إلى قول الله تبارك وتعالى :
{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ }[الصف : 6]
وفي كلام متوازن دقيق يبين ابن عثيمين أن رحمة النبي ﷺ كانت مقرونة بالحكمة؛ لينٌ في موضعه، وحزم في موضعه، فلا عطاء لمن يستحق العقوبة، ولا عقوبة لمن يستحق العطاء. ويذكر بيتين للمتنبي هما :
“إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، == وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا”
“ووضع الندى في موضع السيف بالعلا == مضر كوضع السيف في موضع الندى”
مُنبها إلى أن المتنبي من الشعراء الحكماء، وأن وصفه هذا ينطبق على النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان رحيما وحكيما، لَيِّنا وحازما.
أما عبد الله البردوني فقد كتب في مدح النبي وحبه وذِكرِ محاسنه من تحقيقه للعدل والرحمة واحترام الحقوق، ولكن البردوني حزين لأن العالم منغمس في الظلم والقسوة والاعتداء على الحقوق، ولن نرجع إلى الأمان والطمأنينة والسلام إلا إذا طبقنا هدي النبي وسلوكه، فيقول :
يا خير من شرع الحقوق وخير من
آوى اليتيم بأشفق الإسعاد
يا من أتى بالسلم والحسنى ومن
حقن الدّما في العالم الجلّاد
أهدي إليك ومنك فكرة شاعر
درس الرجال فهام بالأمجاد
أما نازك الملائكة فإنها تكتب في حب النبي صلى الله عليه وسلم كلمات مُزينة بالخيال والعاطفة، فيها إيقاع داخلي فيمكن أن توصف بالشعر النثري العذب فتقول :
وجاءني طائر جميل
وحطّ قربي وامتصّ قلبي
صبّ على لهفتي السكينة ورش هُدبي براءة، رقّة، ليونة
وقلت: يا طائري! يا زبرجد!
من أين أقبلت؟ أيّ نجم أعطاك لينه
يا نكهة البرتقال، يا عطر ياسمينه
وما اسمه الحلو؟ قال: أحمد
وامتلأ الجو من أريج الإسراء ؛ طعم القرآن
وامتد فوق إغماءة البحر ضوء من اسم أحمد
وبهذا كله يمتلئ الشعر العربي بذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلم، التي تورث المرء توقيراً ومهابة له، ويمتلئ كذلك بعاطفة المحبة التي هي واجبة، ولن يكمل إيمان العبد إلا بحب النبي صلى الله عليه وسلم.



