هل بإمكان مغاربة العالم التعويل على من يغيبون الثقافة الوطنية؟ – أحمد حضراوي

0
623
مضحكة جدا ثنائية الفعل الثقافي بالمهجر بين فئة مثقفة تعتمد على نفسها ونفسها فقط من طاقات إبداعية ومعرفية إضافة إلى تكافلها المادي لإعطاء جرعة الحياة للثقافة والفن العربيين الجادين، وبين جهة هيآت والمؤسسات الرسمية المغربية التي صرفت عليها ملايين من الدراهم واليوروهات وخصصت لها ميزانيات ضخمة فقط -أو يفترض فيها- خدمة الجالية وتوجهاتها الثقافية والفنية والإبداعية عموما لتشريف المغرب -حضاريا-، وتكريس الحمولة الفكرية والمعنوية في صدور مغاربة العالم وعقولهم لتمثيله خير تمثيل في المحافل الدولية والدفاع عن قضاياه الوطنية والترابية والمصيرية كقضية صحرائه مثلا.
ثمة مناسبات وطنية عدة ودينية ينادى إليها مغاربة العالم إلى مراكز المغرب الديبلوماسية بالخارج كالسفارات والقنصليات والملاحق وغيرها، تجند جيوشا من “المرتبطين بها خاصة” برباط غير الرباط المفترض أن يكون بين أي مواطن والمؤسسات التي تمثله وتمثل مغربه ببلد إقامته. حتى إذا ناداه واجبه الوطني لبى بكل حب وأقبل بكل ولاء على الأرض التي احتضنت صباه أو صبا آبائه وأجداده إن كان قد ولد خارج الوطن، وبصم بأصابعه العشرة على روح الانتماء إليه، وحمل على عاتقه خدمته لمصالحه في البقعة التي يقف عليها في الغرب دون أن يكون فعله مجرد محاباة لمسؤول كبيرا كان أو صغيرا، أو لديه معارف في وزارة ما أو مقرب من صاحب التاج.
الانتماء إلى الوطن هو الانتماء إلى الوطن، يفترض فيه أن يكون كاملا مكتملا، كل يؤديه بما وهبه الله من طاقة وتميز.
فولاء الجندي لوطنه يكمن في البندقية المصوبة إلى أعدائه خارج الحدود، والمثقف ولاؤه في القلم الذي يخرس به متشدقي أعداء الوطن في الداخل والخارج، والرسام في رسم لوحة عن بلاده وأهلها، والمغني في ترديد أهازيج وأناشيد وأغان في حبه، والشاعر في كتابة القصائد له، والكاتب في سرد بطولاته وملاحمه..
لكن عندما يصل داء التسيب إلى داخل جدران هذه البنايات التي يرفرف على بواباتها العلم الأحمر الذي تتوسطه نجمة خضراء، فلا تجد بين مكاتبها من يستطيع تدبيج سطرين يرد بهما على الأقلام الانفصالية التي تضج بهم أوروبا وتشوش على المغرب في المحافل الأوروبية وخاصة على وحدته الترابية، ولا تجد بعد كل البهرجة والهرج والمرج الذي يواكب احتفالاتها بأعياد وطنية كعيد الاستقلال أو عيد المسيرة الخضراء وغيرها والتي كلفت ميزانية الدولة الكثير الكثير من الأموال وبالعملة الصعبة، أقول لا تجد تمثيلية حقيقية لمناحي اهتمامات الجالية لا فكرا ولا أدبا ولا فنا ولا إبداعا، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذه هي نتيجة استثمار الوزارات والسفارات والمؤسسات المغربية الرسمية في الغث، وبالتالي فهي بشكل طبيعي تحصد ما زرعت، أم أن هنالك هوة بينها وبين جزء كبير من الشعب المغربي الذي اختار أو اضطر للعيش خارج المغرب لكنه لم يقطع حبله السري به.
بشكل آخر، هناك فئة واعية بدورها المغربي الحضاري بأوروبا لم يستثمرها القائمون على الهجرة وراء مكاتبهم الفخمة بالرباط، أو ببروكسل وباريس وروما وأمستردام، سواء لأنهم اختاروا القطيعة مع هذه الفئات ليس شكا في ولائها لبلدها وإنما لأنهم ربما يشعرون بالحرج من تواضع الطرح الذي يمكن أن يطرحوه عليها وهي التي تجاوزتهم بمسافات سنين ضوئية تجاوزت بساطة رؤيتهم للأشياء والأمور بالمهجر، وتجاوزت حلزونية فهمهم لطبيعة مجريات الأمور بالمهجر. أو لأنهم فقط (وأقصد أرباب المكاتب الفخمة) يفضلون التعامل “الصوري” مع القطيع الذي يوهمونه بالعشب من خلال المنح التي يخصصونها له كل مناسبة، فيملؤون به فراغات يريدون لها أن تبقى دائما فراغات لا تملؤها الأدمغة المهاجرة، فترى بواب القنصلية وحارس مدخل السفارة، هو ذاته منظم حفلات استقبال هذا المسؤول لراقصات بلاده في عيد العرش (طبعا هز البطن يكون على حساب الدولة المغربية)، وهو ذاته من يجود القرآن في يوم المولد النبوي ببيت ذلك المسؤول الآخر بمسجد ما أكثر من يبكي بين رحابه نفاقا وبدون وضوء أو اغتسال من جنابة الحفلة التنكرية التي سهر بها بقريب ذلك المسؤول الليلة السابقة حتى الفجر، أقصد ساعة الفجر وليس صلاته. وهو ذاته رئيس الجمعية “الثقافية” الوحيدة التي يغذق عليها القنصل أو السفير بالمنح والعطايا، وهو ذاته مدير الشركة الوحيدة التي تتعامل معها هذه الهيآت الديبلوماسية في الاستقبالات الرسمية بسياراتها الفارهة وبروتوكولاتها الهاي الهاي لاستقبال وزير أو مندوب سامي. وهو ذاته الذي فوق كل ذلك الذي يصبح مدير مجلات وجرائد مهجرية تسوق للديبلوماسية المغربية حتى وإن يماها موازية، وسمى نفسه سفيرا للنوايا الحسنة.
فهل سيرعوي هؤلاء المسؤولون ويقومون بدورهم الحضاري الذي وضعوا في مناصب تمثيل الجالية المغربية بالخارج للقيام به، ويقوموا بتنظيف مؤسساتهم أولا من بقايا نواياهم السيئة وثانيا من الجرذان التي تثقب أكياس شعير قافلتهم، أم ينتظرون أن ينفض مغاربة العالم أيديهم منهم خاصة مع توفر وسائل التواصل الاجتماعي التي أذابت الحواجز بينهم وبين أسمى موظف بالمغرب، حيث بمقطع فيديو مباشر يستطيعون إيصال كلمتهم إليه وهو ينصت دائما لكل صوت يأتيه من خلف المتوسط. وأخيرا هل ينتظرون غضبة أخرى تبابل كراسيهم المهترئة وتأتي بقوم آخرين مكانهم وهم حديثو عهد بمناصبهم!
ولعل أفضل ما أختم به هذا المقال هو مقولة  الدكتور محمد كنوف: نحن لا نعادي أحدا أو جهة، بقدر ما نصحح وننور ما أدلجه ليل الوصوليين الفارغين من أسباب الثقافة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here