د. محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات الدولية بجامعة جورج ميسن في واشنطن، وعضو فريق خبراء الأمم المتحدة سابقا.
مقدمة:
يثير قرار الحكومة تقليص حركة السفر إلى المغرب عبر شركتي الخطوط الملكية المغربية والعربية للطيران ومينائي “سيت” في فرنسا و”جنوا” في إيطاليا مشاعر الحنق لدى جل مغاربة العالم بسبب ما يعتبرونه ابتزازا ماليا وعبيثة بيروقراطية. ويجسد هذا القرار تعثرا إضافيا لدى الرباط في إدارة قضية العالقين في الخارج والداخل منذ تفشي جائحة كورونا منذ مارس، وتعكس أيضا منحدرا غير مسبوق في علاقتها مع مغاربة العالم بموازاة وجود وزارتين ومؤسستين ولجنة وزارية تلوحان بالإشراف على “مصالح” الجالية المغربية. وقبل أيام، ألقى الدكتور محمد الشرقاوي، أستاذ النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا، محاضرة في ضيافة التجمع الوطني للأحرار قدم فيها تقييما نقديا لعدة قضايا عالقة منها قضية الهويات الجمع المتحركة وليس الهوية القارّة من وراء “عمالنا المقيمين في الخارج” أو “المغاربة المقيمين في الخارج، وموقع مغاربة العالم من نظريات الهجرة ونظريات الشتات، وسردية “الرعية” وسردية “المواطنة”، وتحوّل المشاركة السياسية لمغاربة العالم إلى “نية موقوفة التنفيذ”، وافتقار الأكاديمية المغربية لسوسيولوجيا الهجرة والشتات. في الوقت ذاته، تزداد مؤشرات الحنق وخيبة الأمل بين مغاربة العالم في تعامل الرباط مع ملف العالقين وبقية المغاربة في الخارج، مما يكرّس مشاعر القطيعة النفسية والاجتماعية والعزوف عن زيارة المغرب، فضلا عن التفاف فئات واسعة من المثقفين في أوروبا وأمريكا الشمالية حول فكرة التضامن والتعبير عن ذاتيتهم وقناعاتهم وتنظيم أنفسهم فكريا وسياسيا كشتات قائم بذاته.
أتناول اليوم محورا ينمّ عن عدد من المفارقات التي تُلحّ في راهنيتها وتكشف تقاطعات عميقة مع قضايا كانت عالقة قبل حقبة كورونا، وتتعزّز باستمرار الجائحة وتزداد أهميتها عند التخطيط لتنظيم الانتخابات المرتقبة عام 2021 إذا ظلّت في موعدها، وتستدعي الحسم فيها باعتبارها قضايا مفتوحة أمام المغرب الرسمي قبل الشعبي وأمام مغاربة العالم في كافة جغرافياتهم وخياراتهم وانتماءاتهم السياسية ومشاربهم الفلسفية. أجدني بذلك أمام مسؤوليتيْن متوازيتيْن: مسؤولية أكاديمية أو مسؤولية البحث العلمي في تحديد سبل واقعية وواعدة لتفكيك العلاقة بين المغرب ومغاربة العالم وتركيب صلة استراتيجية منتجة وليست مجرّد التغنّي بالرّوابط النوستالجية والروح الوطنية، وأيضا مسؤولية شخصية لاستنباط خلاصات لا أريد أن تغلب عليها النزعة الذاتية، وأنا أحد مغاربة العالم ونتاج تجربة مهنية وأكاديمية بين بريطانيا والولايات المتحدة.
في الوقت ذاته، أظلّ منفتحا على شتّى المشارب الفكرية والتيّارات الحزبية المتنافسة وإنْ ضعفت شعبية هذه الأحزاب في العقدين الماضيين بفعل ما أصبح عزوفا متزايدا لدى فئات الشباب وضجر ملموسا لدى أغلب الرأي العام من تخبط المنظومة الحزبية بيمينها ووسطها ويسارها. لكن، أتمسّك بحاجتنا جميعا في الداخل والخارج لنقاش صريح ورؤية نقدية صارمة، دون تخندق أو تعصّب ضدّ أيّ فلسفة سياسية بقدر ما أومن باحترام التعددية الفكرية والحوار المسؤول عبر مختلف المنصات. فأهلا بي وبكم في مغرب التعددية والطرح التقريضي critique باتجاه استعادة النبوغ المغربي حتى لا يحتكره جيل من الأجيال السابقة. وأتخيّل الرباط الآن وهي تخرج من رباطها، ومغاربة المعالم يتمرّدون على جغرافياتهم المتباعدة، لنلتقي في دائرة الحوار والاجتهاد المتبادل، وأنّ التوافق لا يلغي الاختلاف بقدر ما يساهم تباينُ الرؤى بين الداخل والخارج في تركيب استراتيجيات متنوّرة وواقعية.
تمثّل حقبة كورونا مرحلة غير مسبوقة وحيرة لا متناهية في تعامل الشعوب والحكومات مع الأوبئة والجائحات والركود الاقتصادي والبحث عن آليات الردع الوبائي بدلا من الردع النووي. بيد أنها تفرض تحدّيات مركّبة ومتداخلة، وتطرح أسئلة وجودية جديدة على سائر الجاليات المهاجرة بين دول العالم ومنها مغاربة العالم: ثمة سؤال المسافة الراهنة في تصوّر الرباط بين تعامل “الرعّية” إزاء أولئك المهاجرين وفلسفة “المواطنة” المنفتحة على أكثر من جغرافيا وأكثر من ثقافة؟ سؤال أخر يقتضي تحديد الخيار بين الخطاب المعياري التقليدي عملا بمقولة “عمّالنا في الخارج هم سفرائُنا” وشتّى أدبيات الدبلوماسية المغربية التي استثمرت في ثقافة الوصاية عبر السفارات والقنصليات والتكتلات الموالية لها بين المهاجرين، وخطاب الواقعية والبرغماتية من أجل تأسيس عروة وثقى بين الرباط وقرابة ستة ملايين مغربي ومغربية اختاروا أوطانا بديلة، ولا يتخلّون عن انتمائهم واستعدادهم لتسخير مهاراتهم وخبراتهم في بناء مغرب ديمقراطي حداثي ومتكافئ الفرص.
عندما يوجّه مغاربة العالم تفكيرهم نحو المغرب أو يقرّرون السفر إليه، هل يفعلون ذلك بعقولهم أو بقلوبهم أم بأيّ حافز واع أو غير واع آخر من أجل استدامة هذه العلاقة في منحاها المادّي والنفسي والمعنوي والمجتمعي؟ هم يتمسّكون ليس بثنائية الوطن أو الثقافة أو الانتماء العرقي والثقافي والحضاري بين أرض المهجر والوطن الأمّ فحسب، بل وأيضا بمواطنة عابرة للقارّات تسعى للتوفيق بين الحقوق والالتزامات والمبادئ والقيم المتداولة في سياق عالمي. في الأمس القريب، ظهر منصف السّلاوي في باحة البيت الأبيض ليتولّى مسؤولية البحث عن لقاح جديد ضد وباء كورونا، وبدأ اللغط بشأن ما وصفته السناتور إليزابيث وورن بأنه “تضارب جسيم في المصالح” بالنظر إلى علاقته بشركة موديرنا Moderna التي كان يعمل فيها وهي من بين المؤسّسات التي سيعوّل عليها في تصميم لقاح جديد. صحيفة “إنسايدر بيزنس” التي نشرت الخبر عرّفت السلاوي بأنه مواطن “أمريكي بلجيكي”. فاشتعل السجال العاطفي للدفاع عن “تمغرابيت” السلاوي إما بفرضية الجينات أو الحامض النووي المغربي في جسده أو فترة طفولته في المغرب وسائر التركيبات المختلفة للتشديد على أن السلاوي مغربي أوّلا وأخيرا.
فكيف ينظر المغرب الرسمي إلى هذه المواطنة المرنة، أو مواطنة “هنا وهناك”، أو “مواطنة بين المنزلتين” لدى مغاربة العالم؟ وقد أثارت حقبة كورونا استفسارات جديدة إزاء وضعهم عامة ووضع العالقين خاصة في القاموس السياسي المغربي. سواء كنا نتحدّث عن مغاربة العالم باعتبارهم مهاجرين أم نازحين أم شتاتا أو أي تصنيفات دلالية أخرى، هل هناك جالية متجانسة واحدة خارج الحدود، أم هي مجتمعات فرعية متناثرة في العالم خلال عام 2020 مثلا؟ وهل هناك ما يبرر احتراس المؤسسات الرسمية في الرباط وحتى بعض الأحزاب من مفهوم الشتات رغم وجوده ديمغرافيا وفكريا وسياسيا في الواقع في أكثر من دولة من دول المهجر، وقد تعزّز هذا التحوّل بفعل انتفاضات عام 2011، أو حراك الريف عام 2017، وأيضا تدني مستوى احترام الحريات العامة في المغرب في الأعوام الأخيرة. إذن، ثمة مخاوف مستدامة من حقبة السبعينات ومن الوصمة التي لحقت نشطاء اليسار المغربي خاصة في فرنسا. في المقابل، نلاحظ أن دولا أخرى مثل الصين وروسيا وإيطاليا وتركيا والبرازيل والولايات المتحدة تحتضن مفهوما إيجابيا للشتات، بل وتستثمر فيه سياسيا وثقافيا وحتى ماليا، إلى حد أن بعض المؤسسات الصينية الرسمية تتعّقب أثر الكفاءات الصينية في أوروبا والولايات المتحدة، وتنظّم لها طريق برواتب حسب المقاييس الأوروبية والأمريكية وليس حسب مستوى المعيشة داخل الصين. وتشمل هذه المؤسسات هيئات حكومية وشبه حكومية تعمل على عدة مستويات وطنية ومحلية ضمن ما يسمى “البنيات الصينية الخمس وراء البحار” wuqao للربط بين القطاعين العام والخاص والكفاءات الصينية في الخارج من خلال التنسيق مع وزارة الخارجية الصينية، وهي مجلس الدولة للشؤون الصينية في الخارج، ولجنة الشؤون الخارجية لدى حزب الشعبي الوطني، وفيدرالية كل الصين للصينيين العائدين من الخارج وغيرها.
لم يكن بإمكان الهند مثلا أن تصبح قوة تكنولوجية عالمية لولا الاعتماد على بعض شتاتها العاملين في الشركات التكنولوجية في “سيليكون فالي” في كاليفورنيا عاصمة التكنولوجيا. ويزداد عطاء الكفاءات الهندية ليس في بلورة سوق خدمات مزدهر لعدد كبير من الشركات الأمريكية والبريطانية ضمن ما يعرف بعملية التوظيف عن بعد outsourcing فحسب بل وأيضا في تعزيز مرتبة الهند في مجال الذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات الكبرى big data analytics. وأصبحت مدينة بنغالور أحد أهم المراكز التكنولوجية بل تجاوزت وضع سيليكون فالي إلى المرتبة الأولى عام 2017 باعتبارها أكثر المدن ازدهارا في الصناعات التكنولوجية. واستطاعت الهند تحسين مرتبتها في مؤشر الابتكار العالمي Global Innovation Index من المرتبة 81 عام 2015 إلى المرتبة 52 عام 2019. ويعوّل رئيس الوزراء الهندي على هذه الخبرات في الخارج والداخل للوصول ببلاده إلى تحقيق اقتصاد قائم على خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2024.
ثمة استفهام عالق آخر منذ خمسة عشر عاما: ما هي الخلاصة الحقيقية لمبدأ “المشاركة السياسية” لهؤلاء المغاربة خارج الحدود منذ إقرار النية بشأنها ضمن الخطاب الملكي في السادس من نوفمبر عام 2005، وأيضا ما سطّره الفصل 17 في دستور عام 2011، وأين تقف الأحزاب والمؤسسات المختلفة إمّا من إشراك أو استبعاد نسبة خمسة عشر في المائة من المغاربة من صناديق الاقتراع وبالتالي تركيبة البرلمان عند أي عملية انتخابية في المستقبل؟ منذ عامين، ازداد تلويح الرباط بضرورة الانفتاح على الكفاءات المغربية في الخارج وإشراكها في البناء الداخلي. لكن السؤال العالق: ما هي الخطوات الإجرائية للتمهيد لمساهمة هذه الكفاءات المهاجرة فعليا ونقلها ذهنيا وعمليا إلى الواقع الجديد، أم أنه يظل خطابا معياريَ في الطرح ودبلوماسيَ في المقاصد؟ هل هناك جغرافيا معرفية للخبرات أو الكفاءات المغربية؟ قبل أيام، شدّدت كوثر الحافظي رئيسة قسم أبحاث الفيزياء النووية في جامعة أوريغون الأمريكية أنها لن تجازف بالعودة إلى المغرب والتخلي عن أبحاثها ومختبرها على خلاف باحثين آخرين قرروا العودة من كندا، وكما تقول “كلاو العصا، وتهرسو”، بسبب التداخل بين السياسة والبحث العلمي، وتتمسك بالقول إن التقدم “منظومة متكاملة تتجاوز الحاجة لتجهيزات أو مختبرات”، وهي تبدي الاستعداد للتعاون عن بعد.
