كتابة (رحمة) و (رحمت) في كتاب الله والتعليلات الشعبية __ ذ. أحمد السيد

0
253
الشاعر أحمد السيد
الشاعر أحمد السيد

 

“كتابة (رحمة) و (رحمت) في كتاب الله

والتعليلات الشعبية” :

 

– قبل أن نلج موضوعنا هذا لا بد من التذكير برسم القرآن الكريم فخط المصحف ليس توقيفا .. كتبه كتّاب الوحي بصورته هذه في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه . وقال عثمان للجنة التي كانت برئاسة زيد بن ثابت : إن اختلفتم في حرف فاكتبوه بلسان قريش . ولو كانت الكتابة وحيا لقال لهم : اكتبوه كما أوحي به
والخبر في صحيح الإمام البخاري ( باب جمع القرآن – رقم الحديث : 4986)

– وقد قال العلماﺀ ومنهم ابن درستويه ( ذكره الزمخشري في الكشاف ) : خطّان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط العروض
فكتابة المصحف والكتابة العروضية كلتاهما كتابة اصطلاحية. وكتابتنا الإملائية غيرهما ولها قواعد كما هو معروف.

– الادعاﺀ المنشور المشهور بين العامة :
————————————————
يقولون متوهمين : إنه حيث كتبت ( رحمة ) في القرآن فالرحمة موعود بها .. مؤجلة .. لا بد من السعي إليها .. فهي رحمة مقفلة حاضرا..
وحيث كتبت ( رحمت ) بالتاﺀ المبسوطة فهي رحمة منجزة مفتوحة حاصلة ..
ويسبّح الناس : سبحان الله .. ! ما هذا الكشف العظيم ؟!
وهذا من باب ترويج الجهل الذي لا يجوز خصوصا مع كتاب الله.. وفيه تدليس : عدم ذكر الآيات التي تنقض هذا التفسير

– تأمل في شواهد عن الموضوع :
—————————————–
تُنقَض الفكرة الشائعة بآيات قرآنية عديدة منها :

أ- من شواهد ( رحمة ) :

1- فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴿١٥٩ آل عمران﴾

2- وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩ هود﴾

3- قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴿٢٨ هود﴾

4- قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ﴿٦٣ هود﴾

5- فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ﴿٦٥ الكهف﴾

6- قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ﴿٩٨ الكهف﴾

7- وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ ﴿٨٤ الأنبياء﴾

8- وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧ الأنبياء﴾

9- مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا..

… إلخ

وفي هذه الآيات الشريفة التسع كانت الرحمة حالّة معطاة ناجزة غير مؤجلة وكتبت بالتاﺀ المربوطة خلاف ما يزعمون ..

يكفيك أن تعلم أن الله أرسل خاتم الأنبياﺀ صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين .. رحمة حقيقية ناجزة .. وقال له : ” فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ” : أي برحمة مؤكدة مصدرها الله لنت للناس .. فهذا ينقض ادعاﺀ القوم من أساسه المتوهّم.

ب- من شواهد ( رحمت ) :

1: “أولئك يرجون رحمت الله” [البقرة/218].

2: “إن رحمت الله قريب من المحسنين “[الأعراف/56].

3: “قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت” [هود/73].

4: “ذكر رحمت ربك عبده زكريا “[مريم/2].

5: “فانظر إلى آثار رحمت الله “[الروم/50].

6: “أهم يقسمون رحمت ربك “[الزخرف/32].

7: “ورحمت ربك خير مما يجمعون “[الزخرف/32].

و لو تأملنا الآية السابعة مثلا نستنتج أن “”رحمت ربك “” هنا وعد مستقبلي يتمثل بالجنة التي هي خير مما يجمع الناس في هذه الدنيا .. كما قال جل شأنه لسيدنا النبي صلوات الله وسلامه عليه في سورة الضحى : ” وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى “..
فهذه رحمة إلهية تتمثل في عطاﺀ الله الأخروي .. لا كما يزعمون
قال الطبري في تفسيره :
وقوله: ( وَرَحْمَت رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يقول تعالى ذكره: ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.( و ذكر منهم قتادة والسدي )

التعليل السديد لكتابة هذه الكلمة بشكلي التاﺀ:
———————————————————-
1- الصحابة الذين كتبوا المصحف العثماني رسموا ما هو متعارف عليه عند العرب في وقتهم . فبعضهم كان يكتبها بالتاﺀ المفتوحة وغيرهم يكتبها بالمربوطة .. لم يكن لديهم مجمع للغة العربية ولا وزارة للتعليم لتوحيد الرسم ووضع قواعد للإملاﺀ
فهم لم ينقطوا ولم يشكلوا .. كتبوا حسب عصرهم جزاهم الله خير الجزاﺀ.

2- تعمد كتاب القرآن بتوحيدهم الرسم أن تسمح كتابتهم بالقراﺀات القرآنية السبع .. فمثلا كتبوا في الفاتحة ( ملك يوم الدين ) لتسمح الكتابة أن يقرأ الناس : ( ملك ) و ( مالك ) وذلك أن العرب قد تحذف حرف المد وتكتب : إسمعيل وإسحق
وتقرأ : إسماعيل وإسحاق.

وهنا في آيات الرحمة .. يقرأ بعضهم ( رحمت ) جمعاً : رحمات
وبعضهم يقرؤها مفردة .. والله أعلم.

3- يقف بعض القراﺀ على ( رحمت ) بالتاﺀ لا بالهاﺀ وهي لغة بعض العرب .. فسمح الرسم بذلك.

4- ومن أهم ما تهيّأ لي :
أن كل الآيات التي فيها ( رحمت ) جاﺀت فيها هذه الكلمة مضافة .. فهي إشارة ألا يقف القارئ عليها تجنبا للفصل بين المضاف والمضاف إليه إذ هما معا كالاسم الواحد ..

هذا وبالله التوفيق ومنه السداد وهو الغاية ورضاه القصد

حلب : 2022/3/28م

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here