قراءة في “مرآة، خبز وقمر” للقاصة زهرة عز – عمَر بن بوجليدة

0
1016
 نص باذخ البهاء، ثري، عاصف الأشواق، عاتي الأحاسيس، “صلب” المواقف، جليل الأحداث، هالة من المعاني، مفعمة بالحنين، طافحة بالفعل، فاتنة، تتراقص، تكاد تضيء ييسّر تواضعا دافئا، يحررنا من تضخم الذات المطلقة ويردنا إلى إنسانيتنا، في سيل طاغ من اللطف، ينير سبيل الضّارب في ضلال المعنى ومتاهات الحكايا، يرشح عن التفاصيل الدقاق.
تتلهف في روعتها مهج النفوس، يحار في بهائها طرف البصير، مسكونة بقلق مرهف. لو أدركوا خفاياها ومسارب العشق وثنايا الحب فيها، لعلموا عن لذة القراءة ولقرؤوا كلّ ما انكتب وانحفر في الذاكرة. وشما وعلامات إبداع،  وتلك مسرّة لا تضاهى. ولأفلحوا آنئذ في التعاطي مع الواقع و”المايحدث”، وتلك ذكرى بعيدة وسراب خلب في صحراء اليأس. بيان مشرق  من لطيف القول، رائع  قوامه شحنة من السخرية قوية، والتلاعب بكل شيء. بعد استزارة ما يمكن أن يستزار من “أحداث الراهن”.
 ذلك بالأساس ما ينتابك وأنت تفكّر وتتساءل مع “مرآة، خبز وقمر” لـ المبدعة “زهرة عز”، وهي تحاول في كل مرة أن تزيل عن العالم انبهامه، وتعريه باعتباره غموضا، لنتمكن من فهم “المايحدث” والعالم المحيط بنا ومن التعبير عنه بصور متعدّدة. أليس هذا سبب كاف للانطلاق في رواية قصة، ما دام الإنسان بطبيعته حيوان قصّاص.
هي ذي رحلة الإبحار صوب ضفاف الرمز والدلالة، يحسبة الهيمان ماء، فإذا هو سراب، وقد تبدّى دنيّا قصيّا وطيّعا عصيّا في آن. ولئن ألقى على بعض الأحداث غلالة من الغموض الشفّاف (تجلت شاهقة، عميقة وداكنة.. فمخاتلات النص شاسعة..)، فإنه يضنّ علينا منها بالكثير. فما أجمل هذا التعرّي وقد اساّقطت أوراق الكيان “بخطى أثقلتها سنواتها السبعين، وصندل متهرئ عنوان  بؤس لصيق، أعلن ارتباطه الأبدي بها”، ( حمّالة الوطن ص 14 ) وأضناه الشّوق، وكان النسيان مستحيلا. فلا انتماء إلا للكادحين والحيارى والمنجرحين، أرض رؤوم: “كان سنه قد تجاوز الثلاثين، وما زالت الدنيا تغلق كل أبوابها في وجهه. كدّ واجتهد وحصل على أعلى الشهادات، لكن كل ذلك لم يشفع له عند أرباب الشركات والبنوك للاستفادة من علمه ومعلوماته التي راكمها في الحساب والاقتصاد. لم يكن له ظهر يسنده أو قريب يدعمه، فالتحق مرغما بطابور الآلاف من الشباب المقهور في انتظار معجزة ما، قد تكون عصا سحرية تنزل على المحسوبية والزبونية وترمي بهما في قاع البحر”. (ص06).
لحظات فارقة في حياة جيل حيل بينه وبين طموحاته وآماله: (بلبلته الحيرة واهتز: ياليت شعري ما الصحيح ؟) في بلد يسّطر قدره “المقاولون” و”السّماسرة”. برقا خلّبا سطع بين جيلين وكانت دهرا من لحظات قصيرة ثقيلة، مترعة بالإعجاب والخوف والتّحدي.. فالبلاد حينذاك حبلى بالمؤامرات وأحابيل الخداع والمساومة والغدر. وقتذاك الوطن حاضرة موبوءة تعمها الفوضى والتفجع والدم والموت، والتراجع موت والفرار قدر الكاذبين. “كان يرى أن البرلمان قد استوى في زمن العهر السياسي إلى كهف مظلم. هوت عليه عشرات الركلات والعصي، وفي لحظةبَحَّ صوته. خفت إلا من أنينه، وكانت دموع السماء والألوان القزحية مع انعكاس الضوء  قد امتزجت بدمائه، آخر ما رأى قبل أن يغمض عينيه ويغيب عن الوعي”. (ص 11).
 وكان دربا لاختيار الانتماء الواعي العظيم. وهأنتذا تكتشف أنه كان يحبها كما يحب وطنه. فالحب والكيان ها هنا يتآلفان، “وتشهد قبلة الشمس للبحر، وهي تتوارى خجولة بدلال وجمال. نظرت الحسناء للشفق ما وراء الأفق، تبحث هناك عن حلم وردي راودها ذات خفقة. (الحب في زمن الفايسبوك)، من جهة ما هو سيلان أبدي من المشاعر ورشح للوجود، لا ينمو إلا بالتضحية، لذلك قلّ المحبّون. إنه مشروع “النخبة” يعتصم به الشعراء والمجانين مجاوزة للتموضع والتشيؤ ونسيان الكينونة وتصحّر الوجود. فالحب لا متناه مليء بالمتناهيات. ولقد كان السلف يخوضون فيما لا نخوض فيه إلاّ سرّا أو من وراء حجاب تشوّقا واشتياقا ولا ارتواء، وهذه خصال جمّة يتأنى عندها المتعجل، لأنه من شأنها أن توثق عرى الصلة بين القول والكيان، “مدت له يدا ناعمة، طبع عليها قبلة دافئة، فقدّرت لطافته وأدبه”، (ص 23) لتوقظ الغافلين، والدنيا حرون.
 تقاوم وتذكر أن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يحبّ، فلا سعادة دون تضامن مع “الرجل” الآثم  وقد أبهجها تلاشيه وسقوطه الشفاف، “دمعت عينا رابحة خيبة ويأسا، وهي تروي له معاناتها وأحلامها. لعلّ القادم أجمل، أضاف عبد الصادق. قد نحقق معا أحلامنا. من يدري؟؟ (ص 30). وهو ما حقق مبتغاي بظن ظننته يختار عنت الحيرة على دفء الإجابة الكلاسيكية، و شد أزري لمسعاي نحو مساءلة دائمة للواقع عن دور “المرأة” في تبادل المواقع، إنها محاولة للتمرد على الموروث وعصيان المألوف فـ “حواء” لم تعد الكائن الضعيف.
هأنتذا تعايش شخوصا يقصر فهمك عن بلوغ نعتها (عبدالصادق/ رابحة/ سمير/ جميلة)، حيران لا تهتدي لصواب، ولا يضنيك إرهاق ولا مناورة لفظ، مخلوقات تستعصي على الاقتلاع  تبحث عن موطئ قدم في التاريخ والحب والعشق. “كان رشيد قد قرّر أن يوقف اعتكافه، ويخرج من محرابه. يحتاج أن يستنشق الهواء بعد أن حرّر كل عيون ذاكرته البائسة”. (ص 38).
فالفاعل “الحق” هو من يحمل عن الشعب المنطحن المنسحق، الضنّى والحزن والأسى ومن تخلّف، ذلّ، زلّ وضلّ”، لن ينالوا من عزيمتي شيئا، قال أيوب لنفسه بحماسة، حلمي إلهامٌ، بل رسالة غيبية تحثني على النهوض من جديد، ومحاربة قوى الشر والفساد بنور التحدي والإرادة”. (ص 9 ).
 (ملاحم شعرية/ فنية/ روائية.. راقصة: درويش، سميح القاسم، مظفر، بلند الحيدري، السياب، جبرا، كنفاني، دنقل، الشيخ إمام، فيروز، مرسال، الزين الصافي).. “علا صوت أيوب بقصيدة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم:
  • “منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي وأنا أمشي”.
“وما هي إلا لحظات حتى كانت حناجر الغاضبين من حاملي الشهادات تغني مع أيوب لحن مرسيل خليفة، وكلمات سميح القاسم” (9).
 يناوىء السلطة ويقاوم الكآبة ويكافح الحزن وما انطمر في الخواطر وما اندفن في الأعماق. ويرفع من شأن الشعب والعامة أمام جبروت السلطان واستبداده – الذي يبدو أنه موروث في شكل تقاليد تراتبية انحدرت في عظامنا وعروقنا واختياراتنا رغما عنا، قرنا وراء قرن – ويتساءل: “أي لغة يمكن أن تعيننا عن فقداننا لأنفسنا، عن انمحائنا أمام الإهانات والعمى”. دوَّت سيارة الإسعاف من بعيد. إنها حمّالة الوطن، مّي فاطنة، تجلس بشموخ حاضنة العلم، وبيدها اليمنى ترتكز على عكازها.لم ينتبه لوفاتها أحد، حتى اقتربت منها قطة شاردة، لامست العكاز الذي سقط فهوت مّي فاطنة على الأرض. كان موتها مدوّيا، ربما أكثر من تطلعاتها، ظلت سيرتها حديث الناس. حمّالة الوطن امرأة قديسة، موتها يشبه موت النبي سليمان، لم يعرف الجن بموته إلا بعد أن تآكل عكازه وفقد توازنه. كيف لا تكون كذلك وهي تلتحف وطنا وتحضن نجمة المقدَّس. بدون جنازة ولا مأتم دفنت مّي فاطنة، مثل ابنها عبد المغيث، غريبة، مجهولة، بدون هوية (ص 22).
 ففي بلادي يمتهن “الساسة” الكذب ويعتاشون به، لنطأطئ رؤوسنا، ويتعمّق السرد ويحلو ما يروى بمرارة ويشدّك ما يحكى كلّما توّغل الراوي. تذكّر مسالك الذّكرى ومنعطفات الأيام الخوالي. إنه زمن “المدينة التي أميرها طالب ونقد “مجتمع الاستهلاك”، وضرب العلاقات التراتبية في عمقها، لأننا نحمل في ذواتنا القهر والقمع والاضطهاد والتهميش. وإن تعجب فعجب ما نحن فيه نفكر كما يريد “سارتر”، “ماركوز” “جان جنيه” و”فرانز فانون”.. ونتصرف كما “وجدنا آباءنا الأوّلين”، تأرجح بين الممكن والمحال. فـ”ليل الغرباء” ينبؤك أننا نبتلع الآلام ونتجرع المرارات ونقاوم الموت بالموت (فبما أن السلطة تعيش بموتي البطيء فإنني أعارضها بموتي العنيف)، لكي تنبجس الحياة  ويتأكد الحلم  وتلك لحظات نصر ثورية لذيذة، مليحة، جميلة مغروزة ومركوزة في ذاكرة الروح.
لحظتذاك ستدرك أنها إنما كانت إضافة جميلة إلى عالم الإبداع  هائمة على وجهها بلا ملاذ، متأبطة همومها مكدودة القلب مثقلا بالعذاب، “كانت شفاهها مكتنزة، وقد زادها اللون الأحمر اشتهاء. نظرت في عينيها، رأت بحرا من الرغبة الدفينة لمعانقة الحب، ابتسمت، فابتسمت صورتها. مدت يدها لتلمس شعرها بالمرآة، فإذا بالحسناء تبتسم لها وتمسك بأناملها وتسحبها إلى ماوراء المرآة. كانت نعيمة هناك بالغرفة الوردية  ترفل بفستانها الحريري الأسود بغنج، والحسناء تداعب شعرها وتبتسم لها”. (ص 43 ). مغايرة قادرة على الانتماء إلى مساحة من ذاتها تقع خارجه. اخترعت بهاء كونها القصصي/ الشعري من ليالي العشاق المحبين ووشوشات “الصعاليك” و”الأوغاد” الخارجين عن السبل المسطورة، والعالم المليء بالعشاق المشردين.
ها هنا بالذات تبث المبدعة في ثنايا النص أشياء من نفسها لتبين أن “نعيمة” تعاني من شوق أبدي نحو المطلق والحرية والمعنى. وهو ما لا يتحقق إلا بواسطة الفن والشوق والموسيقى والشعر والشهوة، ما يجعلها دائمة الفرح: “ستبتسم، وستكون الصورة بالتأكيد رائعة”. ستهيم بحثا عن حسناء المرآة، وقد تقايض ضفيرتها بستائرها البيضاء المخملية وتستنشق عبير ورودها المرسومة وهي تنتظر قبلة الشمس(ص 46).
 إنها مظاهر جميلة تنتزعنا من اليأس والبؤس والعدم والقنوط، إنها ما في مستواه تتبدد أنوار العقل، فهي تقع فيما أبعد من العقل  فيما وراء العقل. إنها تأويلية تضفي على الأشياء والأحداث معنى يتجدد بتدفق الحياة وتنوع المواقف، في مسالكها يفقد العقل صرامته وتتخلخل مسلماته وتهتز مطلقاته وتفقد يقينياته تماسكها. “زغردت روحه سعادة حتى أدمعت كل العيون سعادة و أملا.  تمدّد بعدها حسن بانتشاء على سريره، وهو يطالع وجه القمر ويحضن المِرْآة. تذكّر أمه، وتمنّى لو كانت موجودة حتى يطبع على جبينها قبلة الوداع، ثم نام وهو يحتضن ابتسامته”. (ص 52).
في هذا المستوى بالذات يتوضح أنّ النصّ الأدبي والعمل الفني بعامة ينتج مستويات متعدّدة للقراءة والتأويل، فاصّعّدت نحو المعارج كمن هفا، ووجدتني بين الخلائل أسترق الوفاء، ذلك أن المبدعة “زهرة عز” جعلت من مجموعتها القصصية المشرقة الوضاءة في جمال قهار “آلة لتوليد المعنى” لا تنتهي..

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here