
لا يختلف اثنان، في المغرب أو من مهجريّي البلدان، ولا يتناطح عنزان، على أن الوضع الثقافي بل والفكري والروحي أيضا لجاليتنا المغربية بالخارج قد تدنى إلى القاع وما تحت القاع، حتى شكا القاع من مغربته، حتى وصلنا صوته الحزين من أعماق الجحيم.
لا أريد أن أكون لسان حال كتاب وشعراء ومثقفي ومفكري الداخل، ولا لسان مفكريه وفلاسفته والقائمين على بيضة الإسلام داخله، فهم أدرى مني بالوضع هناك، إلا أني الأدرى برائحة التدني التي فاحت من الـ”هناك” وزكمت أنوفنا “هنا”، حتى أكون موضوعيا في طرحي، ولعلمي أنهم (وأقصد من تبقى من شرفاء منهم) أحق مني برفع حناجرهم بالصراخ، وأنا الذي دُفِعتُ إلى الهجرة خارج بلدي وخارج حيز جمال برها وبحرها وجبالها ووديانها، رغما عن حبي الشديد لها وعدم صبري على مفارقتها ولو طرفة قلب.
طبعا التدني الثقافي عموما (مع عدم إنكار الشموع المضيئة في العتمة)، والتدني الإبداعي على جميع المستويات الكتابية والفنون الأخرى لا يمكن أن تتحمل مسؤوليته -ونقولها بشكل صريح- إلا الدولة المغربية، التي خسرت ملايير الدراهم في مجالات ترفيهية إلهائية، ككرة القدم والمسلسلات الرمضانية التافهة والأفلام الساقطة شكلا ومضمونا، والمسرحيات المبتذلة وتظاهرات البهرجة هنا وهناك، غير أنها أهملت سهوا أو عمدا تأطير “سندها الوجداني” الذي قد تحتاجه في ساعة العسرة من شعراء حقيقيين وكتاب ومفكرين. ودون أن نغوص في وظيفة الإبداع، كم من ثورة انقلب مسارها لأن شاعرا تبناها بقصائده، وكم دولا سقطت فقط لتأويل مفكر سلبي لشكل من أشكال تجلياتها، وكم أزمة عالمية انفجرت لكتاب ألّفه أحدهم (صديقنا الملك مثلا)، أو رسما رسمه أحدهم تأليبا للمشاعر أو العرقيات أو المعتقدات (الرسوم المسيئة لرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم مثلا)، أو لعبا على أوراق حساسة غيرها.
ولأن الدولة أشخاص وهيآت، ترسم لها سياستها في كل المجالات التي لا يمكن أن تنحصر في شخص واحد مهما علا شأنه، وبالتالي تُخصّص وزارات ومؤسسات لشأن ما مثل الشأن الثقافي والإبداعي والفكري والروحي مثلا، حيث تتعامل مع المواطنين أو يفترض فيها أن تتعامل معهم على قدم واحدة من المساواة، وأن تتجاوب مع طموحاتهم ليس بمنظورها إلى النتائج التي توختها سلفا من سياستها التي هدفت منها التجهيل والتفقير والتهميش، حتى لا تتصادم مستقبلا مع جيل واع بهويته وواقعه وذا رؤية مستقبلية للبلاد والعباد، وإنما مع الاستثناء التي فلت كالماء من بين أصابع كفيها فعجزت عن استقطابه استقطاب الرعايا الخانعين، وخسرت رهانها في اللعب على عامل الزمن معه لتشتت شمله الأنانيات والصراعات فيتفكك كما تفككت كيانات هشة، وانقلبت إلى جماعات وأحزاب متناحرة متهاجية، وما حال اتحاد كتاب المغرب منا بخاف على أحد.
ربما أسعفتها نفس الاستراتيجية سابقا مع كيانات خُلقت في أوروبا أو كادت تخلق، خاصة في الفترات التي كانت تشكل فيها هذه الكيانات تهديدا لمصالح المغرب بالخارج أو على الأقل تشويشا على سمعته كأضعف الإيمان، من تجمعات طلابية خارجة عن الولاء لوطنها أو أحزاب وجماعات ذات صيغة دينية معارضة بشكل أو بآخر للنظام المغربي الحاكم، أو كيانات تلعب على حبلي الولاء والبراء تجاه المغرب، إن مُنحت رضيت وإن مُنعت وعدت وتوعّدت. فتعاملت معها بالترغيب والترهيب ثم بالتهميش، لتضفي هذه السمة سمة التهميش على كل من حمل لواء القلم في الغربة، واتهمته بأنه لا يمكن التعامل معه ما لم يكن ضمن وحدة كاملة خاضعة بشكل أو بآخر لوزارة أو جالية.
عندما يَنتقد وزير مكلف بأمور الجالية، الجالية بأسرها ثقافيا ويصرح بأن من شروط تمويل نشاطاتها الثقافية بأوروبا أن تتحد كلها في كيان واحد، وحين يستنسخ مسؤول آخر في مؤسسة لم تؤسس إلا لخدمة الجالية أيضا كلامه، فماذا يمكن أن نفهم من ذلك إلا وضع شروط تعجيزية نفهم طبعا معناها الظاهر الذي يوبخ الجالية المغربية على عدم التراص صفا واحدا في الغربة، لكن نفهم أيضا رسالتها الخفية وهي التملص من أي مسؤولية لهذه الوزارات والمؤسسات من القيام بواجبها تجاه الجالية، فالحكومة مثلا تمول أحزابا وجمعيات ومشاريع ولا تشترط لتمويلها أن تتحد في حزب واحد أو مشروع واحد، بقدر ما تفترض فيها أن تتبنى المشاريع الحقيقية والجادة.
فكيف إذاً تنظر إلينا هذه الوزارات المخولة لنا والمؤسسات نفس نظرتها إلى كل فعل ثقافي آخر لم يفطم بعد من صدمة الذوبان في الغرب، ولم يمش بعد خطواته الأولى في الكتابة والتأطير الإبداعي والفلسفي والفكري، أما الروحي فكل زاده فيه سبحة صينية وسجادة إيرانية مستنسخة في تايلاند، أو على النقيض من ذلك، رفض كل ما هو ديني واتهامه بكل التهم. وكيف تريد للمحترف أن يتحد مع الراكب على الموجة لينال فتات موائدها!
لا ننكر أن الوضع الثقافي في بلجيكا، شعريا كان أو نثريا أو فكريا أو دعويا قد وصل إلى ما لم يصله منحطو باقي الأمم عبر تاريخها، وقد زاد الفضاء الافتراضي الأمر سوءا، حيث تواصل الوهميون مع الوهميين فحسبوهم ماء وهم محض سراب، وحين صدموا صدمتهم الأولى جمعوا الكل في دفة واحدة واتهموها تهمة واحدة. وصل إلى منابر الخاصة من المبدعين من لا هدف ثقافي له من وراء قصده إلا تحصيل المال وإنفاقه على كؤوس متعته وملهى عقله الليلي، ففسدوا وأفسدوا، وتكتلوا وتكالبوا على الريع حتى وصل نباحهم أرجاء الوزارات والمؤسسات، فأخذت صفتهم وجعلتها بردة تخلعها على كل صوت نشاز بينهم ولو تبين مستواه، وبرهن بما لا يدع مكانا للشك أنه استثناء، وأنها لم يختر أن يعمل في هذا الحقل ليطعم أبناءه – وإن كان من حقه أن تلتفت إليه الوزارات والمؤسسات، بل الهيآت الأعلى منها درجة والأعلى، لأهمية الدور الذي يقوم به في الخارج وخاصة أوروبا، والذي عجزت عنه الوزارات والمؤسسات نفسها. وهذا لا يعني أنه لم تظهر طبقة مقربة من هذا الوزير أو ذاك، أو ذاك السفير أو ذاك، أو ذاك أو ذاك، تقتات على ميزانية المغرب المخولة لأنشطة أبناء الجالية وليس لخدمة حاشية مسؤول مهما كان منصبه، ولكن غياب مبدأ المحاسبة لكل هؤلاء ترك حبل الفساد والاسترزاق معا على الغارب.
قد يسوغ بعض هؤلاء المسؤولين السامين مسوغات للتمويه عن عجزها عن تبني الفعل الجاد، وتهما تطال بعض رواد الثقافة هنا بالخارج والمتعلقة بجوانب شخصية أخلاقية، وقد يشهّرون أو يمدون في أصوات المشهّرين لأنها صادفت هوى في أنفسهم، فيقصونهم بسببها من إدماج فعلي وحقيقي في المنظومة الثقافية والفكرية الرسمية التي لا يكفون عن ترديدها لمغاربة الداخل والمحافل الوطنية. غير أنهم لو تمعنوا قليلا للاحظوا أن الشويعر الصغير حين لا يستطيع مجاراة شاعر فحل، فإنه يلجأ إلى الانتقاص منه لدى متابعيه بترويج الإشاعات عنه وذكر السيئات، والكذب عليه زورا وبهتانا، وبتفصيل سيناريوهات تشويه سمعته بما يتوافق مع ذاته الماكرة هو ومخيلته النتنة. ولو كان شاعرا حقا لجاراه ووشاه شعرا وأعطانا نقائض كما نقائض جرير والفرزدق والأخطل، فيتطور الأدب المهجري على علاته ويبرز طاقاته. غير أن عجزهم عن كتابة قصيدة واحدة يلزمهم أن يتخفوا خلف حسابات فايسبوكية وهمية غالبا ما تكون بتاء تأنيث، ينفثون سمومهم من ورائها، وليتها توصلهم إلى مآربهم.
نفس الوضع ينطبق على الكُتاب، حيث لا تجد حاسدا لكاتب متميز إلا كاتب هزيل يحسده، ولا يحسد الفنان الراقي إلا فنان متشبه، وقس على ذلك. حتى إذا تكتل كل هؤلاء المتميزون في كيان أو مقهى أدبي أو مجلس، تكتل أولئك في كيانات موازية لهم وبأعداد أكبر وجمهرة أعظم، ذلك أن الغث دائما أكثر عددا من السمين، غير أن هذا الغث لا يكاد يجتمع على كلمة أو زعامة حتى تراه وبأسرع من سرعة ائتلافه قد انشق إلى كيانات بعدد أعضائه، فكل يسبّح بحمده ويقدس لنفسه، بينما يستمر الكيان الحقيقي المنسجم مع نفسه وتصوراته ضاربا جذوره في أعماق الإبداع، لا يضره من خذله أو قفز من على سطح سفينته، ولا يعجز عن ضرب مجاديفه في بحر الصعاب وانعدام الإمكانيات، التي تمتلكها مؤسسات الدولة التي يحمل هويتها ووزاراتها وهيآتها المعنية، والتي وكأنها تراهن على تكسرها كل لحظة لكن هيهات.
عندما يعمل شرفاء الإبداع المهجريين على تأسيس الفعل الثقافي على أسس وقواعد صلبة، ولا يتدافعون على المنابر لإبراز ذواتهم وأناهم، بل يتناوبون عليها بكل أريحية، بل ويؤثرون غيرهم ولو كانوا أقل مستوى منهم على أنفسهم، فمعناه أن هذا اللحمة لا خوف عليها ولا هم يحزنون من ذهاب الريح. ومعناه أيضا أنها حين تمد يدها للداخل فليس لتأخذ كما الأيدي التي تمد عادة، وإنما لتعطي أيضا، وأكيد أن لديها الكثير لتعطيه، فهل ينتبه إلى ذلك الجالسون خلف مكاتبهم في الرباط؟!!
لو كان لمبدأ المحاسبة الثقافية حيز في تعامل الداخل مع مثقفي الخارج وخاصة أوروبا، لأُسقطت وزارات وحُلّتْ مؤسسات لأنها لم تقم بدورها تجاهنا كما يجب. دورها المحدد لها في الدساتير والظواهر الملكية والقوانين. ولحوسبت جمعيات هنا بالخارج ترضع من ضرع خزينة المغرب ولا تكبر ولا تسمن أبدا
أقول فقط لو..