الشاعر مثقفا (1) – ناصر رمضان عبد الحميد

0
1006
يمثل الشعر رافدا مهما من روافد الثقافة العربية، بل هو منها منزلة الروح للجسد، فالإنسان العربي (الشاعر) هو بالضرورة مثقفا ومؤرخا وفيلسوفا. من هنا جاءت أهمية الشاعر لدى القبيلة العربية قديما، وإن تراجع حديثا لتداخل عوامل كثيرة يعرفها أهل التخصص، وليس مجال الحديث عنها الآن.
وأستطيع أن أقول إن الشعر هو الحديقة  الأمامية لمنزل الثقافة العربية -إن اعتبرنا أن الثقافة العربية بيتنا الكبير الذي تخلينا عنه كما تخلينا عن كثير من مقومات حياتنا-.
وأول شيء تخلى عنه العرب هو الحديقة الأمامية للمنزل، التي أغرت بدخول المنزل، وتحول الأثاث والأوتاد إلى أثاث غربي ولغة غربية، وفكر غربي، وليس في تحصيل لغات العالم غضاضة، شريطة عدم إهمال لغتنا وشعرنا وثقافتنا، استبدل كل شيء في الحديقة حتى أعمدة الإنارة التي أضاءت حياتنا طيلة قرون، وليس ذلك ولعا بالغرب والغالب كما يقول ابن خلدون، وإنما هو الكسل وقلة الثقة والبحث عن طريق السهولة، دون تعب أو بذل جهد.
أول هذه الأعمدة في إضاءة الحديقة العربية:
اللغة: اللغة ليس بنحوها وصرفها وبلاغتها وسياقها وسباقها وحسب، وإنما بما تحمله من فكر ووعي وتحضر وسلوك وترجمة لمعاشنا وحايتنا وعاداتنا، ولا يوجد ذلك واضحا وجليا إلا في الشعر.
الشعر كان وما زال وسيزال ديوان اللغة وديوان العرب، ببساطة لأنه منهم وليس دخيلا عليهم، فكما حمل أفكارهم قديما وترجم أحاسيسهم حديثا، وتفاخروا به بين الأمم، فهو المرآة الصادقة للغتهم وتفوقهم على ما عداهم في نظم الكلمة ووضوح البيان.
حتى أن القرآن الذي هو كتابهم المنزل، لا يفهم إلا من خلال الشعر ولغتة العربية ومعانيه ومفرداتة وعادات من نظموة.
إنه المجد الذي استبدل بالترجمات لشعر لا يقرأ وإن قرأ لا يحس، ولست ضد الترجمة للاطلاع على حضارات وثقافات الشعوب وهو أمر لا يرفض إلا من جاهل، لكن الشعر يقرأ بلغة قومه لأن الشعر في الأصل إحساس وتجربة شعورية، لأن الترجمة ظلم للشاعر وللمترجم وللنص، قد تكون الترجمة تقريبا للمعنى، لكن ما نراه الآن من ترجمات لا علاقة له بالشعر.
وسأعطيك مثالا حيا على ما أقول: في ديوان إقبال الباكستاني وقصيدة (حديث الروح) التي غنتها أم كلثوم تجد أن النص من ترجمة الصاوي شعلان، وفي النص تجد روح الصاوي شعلان وأنفاسة الصوفية وتجليات المدد التي تسري بلا عناء ولا تكلف. وإذا أردت التدليل على كلامي فارجع إلى الترجمات الأخرى لشعر إقبال، وقارن بين الصاوي شعلان وعبد الوهاب عزام وسيد عبد المجيد الغوري وكثيرون ترجموا، قارن بينهم لتعرف الفرق ولتعي ما أقول.
والعجيب أن أم كلثوم حين غنت هذه الرائعة لم تعرج من قريب أو بعيد على الصاوي شعلان.
-يتبع-
ناصر رمضان عبد الحميد
عضو اتحاد كتاب مصر

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here