لم تكن الدورة الأربعون في المقهى الأورو-عربي ببروكسيل هذه المرة مختلفة عن سابقاتها في ريادة المشهد الأدبي والثقافي المهجري، لكنها تفردت بأفق جديد -وإن لم يكن غائبا قط- بصورة واضحة ومباشرة في أن يعلن المقهى الأدبي الأورو-عربي بأنه مركز للفكر والبحوث الاستراتيجية والأطروحات الثقافية والأدبية التي لا تعيش منعزلة عن الواقع والشارع، بل هي نابعة من آلام هذا الوسط ومنطلقة من رؤى تبلورت للنهوض بالمجتمع، وهؤلاء الذين يتم العمل ليل نهار من أجل إبقائهم في وضع جهل جمعي وتغييب الحقائق عن مدى أنظارهم وأبصارهم. ومن هنا ولأجل هذا كان لا بدَّ للمقهى الأورو-عربي أن يعلنها صريحة ودون جلاء بأن الضوء سيكون حيث نقف وأن الأنظار تتجه حيث نتجه، فما هي هذه الرؤى والاتجاهات والأفكار والأطروحات التي يتبناها المقهى الأدبي الأورو-عربي، وما هي السبل التي يسعى من خلالها للتنظير والتطبيق؟ تبقى أسئلة مطروحة والإجابة لا تخفى عن لبيب. ففي دورته الأربعين وبمحاضرة ألقاها الأستاذ الدكتور المقيم في ألمانيا محمد كنوف والتي كانت بعنوان: الثقافة المغربية على المحك، جواب لكل متسائل، عن الدور الذي يلعبه المقهى الأدبي في استقطاب الشخصيات الفكرية والثقافية والأدبية بل والعامة أيضا، في تصدير هذه الشخصيات صاحبة الرؤى الفكرية الجليّة غير المضببة بالزيف، والصادحة بالحق، المحاربة للأباطيل والفصيحة المفوهة البعيدة عن الأحاجي اللغوية والخُطى الرصينة الثابتة المعادية لأي تنطعٍ منهجي. المحاضرة وإن خصت المشهد الثقافي والأدبي والفكري المغربي في الطرح والتنظير ألا أنها لم تنفصل عن البيئة العربية المحيطة التي تتشارك في الآفة التي نخرت جسدها.
