

إن أكبرعائق يعيق سيرورة الفعل الثقافي يتمثّل في كون الماضي ما زالت مفعوليته وآثاره قائمة ومنغرسة في بنية العقل العربي، بل تزيد في تأزيم ومحنة الثقافة، ففي ظل غياب ممارسة ثقافية حقييقية تنبني على أسس متينة وثوابت تشكّل عصَب البناء لا يمكن للمجتمع أن تكون له فاعلية تثوير الفكر، وإنقاد العقل من الجمود والتكلّس. وما نعيشه، اليوم، من عودة إلى ثقافة الطبيعة حيث اللاعقل والانفعال والتوتر سمات من التجليات السلبية لهذه العودة، وفي هذا السياق نشير إلى هذا الإسفاف للعقل ومن تمّ للثقافة وصولا إلى التغييب القسري للفرد من حياة الثقافة، دليل ساطع على أن التفاهة وكل أشكال التمييع صورة جلية لانحطاط الإنسانية واستلاب الإنسان، في عولمة جارفة مقيتة، إنسانية تجسيد قوي لما ينتظر الإنسانية من مآسي خطيرة ستكون لها انعكاسات على الجميع.
فالخراب والتدمير والتهجير، تغيير الخرائط وفرض سياسات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تمتّ بصِلة لما أنتجته فلسفة الأنوار، بقدر ما تكرّس بهيمية وحيوانية الإنسان، معالم غابوية لغد كارثي يهدّد القيم والحياة والإنسان. ولا غرابة في الأمر ما دام نظام التفاهة هو العِقد الناظم لمنظومة تنتصر لثقافة التسليع والتبضيع والتّسفيه. فالأزمة القيميّة هي نتيجة حتمية لسياسة تعليمية ترسّخ الضحالة، والاحتذاء والتقليد والمحاكاة، مما أفضى إلى تحويل المجتمعات إلى عاهات في الفكر والإنسان.
ولابد من القول إن ماتعيشه المجتمعات العربية من تردٍّ في الذوق، ومن تقهقر في الإنتاجية، ومن مظاهر العنف، ومن غياب الكفاءات الجديرة بتحمّل المسؤولية التدبيرية والتسييرية كفيل بأن هذه المستقبل في كفّ عفريت، وهو واقع يطرح على المثقف أكثر من سؤال، من قبيل:
– ما السبيل الأنجع للخروج من هذا الوضع المأزوم؟
– وكيف لنا أن نتخلّص من تبعات عولمة تميت في الإنسان الجدوى من وجوده؟
– هل الثقافة تمتلك القدرة على مجابهة هذه الانتكاسة على مستوى القيم؟
أسئلة تحتّم على المثقف مقاربتها وفق رؤية واضحة وتصور عميق، ينظر إلى الثقافة كآلية من بين الآليات الكفيلة بإنقاذ المجتمع من ضلال اللامعنى، غير أن الأمر لا يقتصر على المثقف وحده، بل على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها، في هذا الإطار، بوضع خطة ناجعة في جعل الثقافة همّا جماعيا، انطلاقا من محددات استراتيجية، أساسها الثقافة وغاياتها الثقافة، بعبارة واضحة على الدولة أن تختار طريق العقل الذي بإمكانه بناء الإنسان، وعندما يتمّ بناء هذا الأخير، فإنه -الإنسان- سيكون فاعلا ومنتجا، ومبادرا ومساهما في التنمية الفعّالة، لا أن يتحوّل إلى عالة على الدولة نفسها.
فالمجتمعات التي تغيّب الثقافة يستحيل عليها تشكيل هويتها، هذه الأخيرة تجعلها تتميّز عن الآخر الحضاري وتكون أكثر إيجابية في الإسهام في تشييد حضارة إنسانية.