المسطحة الشعرية : “صبّي ولا تقتصدي” ــ حسن السلموني

0
713

 صبي ولا تقتصدي، وكأني أحتسي نبيذا من حلمتيك يقطر، في محراب كوني، ألغي الأباريق والكؤوس وافرغي، الزق في ثغري حتى يستشف لساني ما بالقعر من الندى المرحق، ولا تسألي الأيام عن أسمائها والأشهر، إني خالعها قبل أن تخلعني من ديارها، إني للحجج شراع ورياح أمضي بها، حتى إذا تهالكت من عتي ألقيت بها، أبلج كالبدر عند البزوغ في ليل مدلهم، و إذا طحا النهار فراشا لقدومي، أراهم وعين أمي شاهد كأنهم السراب اللجلج، لقد جفا القوم منكبي، وإني أقدر الجفا عند جهلهم، لقد كللت من مضاضة والكلكل، ومديتي، تعاف الشراب من وريد العدى، لا يقرب قافلها عقب قطع الرؤوس النخال، إني لا أرى على هذه الأرض سوى أوطان من مزابل البشر، ولئن تبقى مني بقية، فما الجدوى من البقاء، وعلى كتفي اهترى نعش الزمان وترهل، ولو أصعد هرما من القبور، لا يشفي النواح ولا العويل لساني، وما بالمقابر غير الأجسام الصمم، ونحن في دار المأوى نخلق فحولا نواصع، ونجعل من الملوك في الخصام ذيل مدنس، ونبعث الموتى يتلون من ذكرى الموت كتابا طمست أطلاله، أنعيه لكم، وأنعي لكم قبيلة كانت تلقن الملوك هزائما، إن لساني لسانها، يصون في الوجدان ما يدثر الطمسان، ولا الأظعان تحرف نقله بين الأجيال، إننا ببسالة الأجداد نرزق، والأوطان أرحام حرائر، لا الموت يكمم زحف أقدامنا ولا الجبن يكبل ناصيتنا إدبارا، عند ركوب الطريق، من وطأ الأقدام يتهشم الصخر وتدوي أمامنا الوعار، ولا عضة العتم تصدر وجودي خافتا خفيض معبد، عند النشوء في الولادة، لبست الكفر ترسا من العصيان الجرجر، وإن ظنوا أنهم بالغر قد ذروا، إنما ذلك دلو قاصر متوهم، كلجة تلوح منها ظلال أطلال تدوب تبددا في مارج السراب، إني على مسطبة الكون قاعد، لا أغل اللسان ولا أطوي فصاحة الكتاب، لست ذاك الوارد إلى حشد الرثاء، أعلق على أذقان المقابر تمائم البكاء، إني أبسط على غصن الزمان للرحيل جناحا، وأنقر بسبحة الأديان إنسانا ترسب جهالة، يحيك للكون لباس حداد، هدية ترتديه مدن الأرض أنقاضا من الدمار والخرب، وإذا أعدمت قبل إعدام الأرض، فإن لي نعي أعير نعله وعلى الذراع يلوح السحال، وإن يذهب العز عن قوم غدر ثأر، فإني على الدهر وضعت مضغة وشم، ودهان الدهر من جلدي لن يترهل، يافع يرضع مني الحلم رشدا، إني بالوغى بكر لا غسق لي عند الشدائد ولا وقب، نطقا يسبق المدى صياحي قبل التململ، يضني المتلقي إيلاف التضارب، من منا الصدى ومن المصدر، أبرق القوم بالقول الصحصح، لقد هجد الظلم عهد الذي على الإمارة يقوم، صفت له المساجد والشوارع أضحت نعوشا تزن من جيف الأقدام أثقالا، ولا ترى مشاء وقعه في المضي عصيان، إلا أجراء القوادة الذين غصت بهم الدروب، مذميذ في غرف الطاغوت يدعي حسن واجهة، لئيم لا يستحي جمال الله في خلقه، يقابل الملأ جمعة والجحود على الجبين جاحظ، يسوق العبيد كرها إلى اعتناق تقاليد دينه، فرائضه من أحزاب تغلوا تطرفا في طمس المعالم، إننا نحضن العصيان وننضده ضم المهد للباكر من الحمل، ولا أخشى مواعيد الحدف إن تنادي لقاء موعد، إنما أخشى الزمان أن يخبر عني أني ذاك الجبان المستصغر، وأنا على نواصي الخيل ذاك الوصم المحجل، يلوح بريق وشاحه للكفيف المسمل، إن شعري ثريا تزين السماء فوانسا، أنشأت له من طين جسدي مشكاة فخار قد الجبال مقامها، لن ترعب حاضري السجون إن تشق لنا أبوابها، إن أقدامنا قد الطود قامة وتباتا، يقودني الزمان وإني له القائد الملجم، أن ألاقي في الولادة السادس من ملوكهم، مجيء والمجيء على ركب الدهر حدث مقدر، والقدر في حدوثه لا يلام، أن ألاقي وجها كسوءة القرد لا يغطي شنيعها الذيل المقزم، ونحط به على المسطحة كفارض من نعاج ضند تلوح في قعر الجواد المقفر، ضامر، صلعاء الجلد طاعن في البرص، كعرجون لا يقوى على حمل مسند، من وقع الجبن تحبس بالجوف ثغاء، يخور زخة بشولة من المهلب.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here